زلزال لبنان وفتح طرق التسوية!

إنفجرت مجموعة أزمات دفعة واحدة في ساحة لبنانية بالغة التعقيد، وأُربكت أطراف الإئتلاف الحاكم، بفعل دخول الشارع لاعباً جديداً، في لحظة إقليمية متحركة فُتحَ فيها باب التفاوض على مصراعيه، بموازاة إستشراس كل طرف على تثبيت مواقعه وجني مكاسب اللحظات الأخيرة من خلال الضرب تحت الزنار، بدءًا بالهجوم الصاروخي على أرامكو، وإستهداف ناقلة نفط إيرانية في البحر الأحمر، ومروراً بالاحتجاجات الدموية في العراق، والدخول التركي المبرمج أميركياً روسياً شمال سوريا، وإنهاء ابو بكر البغدادي بتعاون دولي-إقليمي، كل ذلك يسير في خط موازٍ لإنهاء حرب اليمن، وإطلاق التسوية في سوريا.

ما يجب التوقف عنده :

@ سبقت أكبر إحتجاجات شعبية في لبنان مواقف سياسية متقدمة أطلقها وزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل تتعلق بالذهاب الى سوريا وإعادة دمشق الى الجامعة العربية، وهنا يحلو لبعض الدوائر الربط مع الثورة التي إطاحت بالرئيس السوداني عمر البشير بعد زيارته دمشق وتطبيع علاقاته مع نظام الأسد!

@ عنوان محاسبة الفاسدين، كلن يعني كلن، شكل “حاضنة” نزول مئات آلاف اللبنانيين الى الشارع في مختلف المناطق، ويأتي ذلك بعد أسابيع على حملة مفاجئة شهدها النظام السوري، ذهب ضحيتها عدد من رموزه المالية، ذكرت تقارير أن عددهم وصل الى 30, وعلى رأسهم رامي مخلوف، وهدفها إستعادة مليارات الدولارات، ورسم توازنات جديدة داخل دائرة النظام الضيقة وسط أزمة مالية ونقدية وإقتصادية حادة، ويبدو بحسب تقارير متقاطعة أن موسكو ليست بعيدة عنها!

@ طوق العقوبات الأميركية الذي نجح نسبياً في الضغط على النظام في ايران وحلفائه، والذي قد يتوسع لبنانياً، بحسب تسريبات متلاحقة، يستهدف حلفاء حزب الله، وبيئته الحاضنة، حيث لا حصانة لا لموقع رسمي ولا لمصرف، وتربط دوائر مراقبة بين تحرك الشارع الشيعي الإعتراضي تحت شعارات مطلبية وبين تراجع تقديمات حزب الله ، المترافق مع وصول أرقام الفقر والبطالة في لبنان عموماً الى مستويات خطيرة جداً.

@ تزامن الاحتجاجات في لبنان، مع موجة إحتجاجات دموية ومتكررة في العراق، عنوانها مطلبي معيشي، تطالب بمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وتهدف الى قلب التوازنات داخل الحكومة العراقية، ومن الملفت أنها تنطلق من الجماهير الشيعية، وتستهدف النفوذ الإيراني في العراق.

ما يجب متابعته:

@ كل ما سبق يدفع حزب الله للتوجس من تحرك الشارع اللبناني المتواصل منذ 13 يوماً، وقد ترجم ذلك بكلام متصاعد حول ضرورة منع هذه الانتفاضة من تحقيق مفاعيل داخل السلطة، وسعى الحزب لضبط شارعه أولاً، والتمسك بالوزير باسيل من ناحية أخرى، لمنع خصومه السياسيين من قطف ثمار حركة الشارع، على حساب حلفائه.

@ يجد الرئيس الحريري نفسه أمام خيار واحد، ولأسباب متعددة، وهو البقاء في السلطة، ولا إستقالة لهذه الحكومة قبل التفاهم على شكل الحكومة المقبلة، تفاهم يبدو أن نضوجه يحتاج الى المزيد من الوقت، في حين يمرّ الوقت ثقيلاً على وضع متأزم مالياً وإقتصادياً، وسياسياً وإجتماعياً، وهنا رهان على استمرار دعم المجموعة الدولية له من جهة، وعلى تفسخات الحركة الاعتراضية وتعب الناس، ونجاح التيار الوطني الحر، في إعادة التوازن للشارع، لإعطاء الغطاء للجيش اللبناني في فتح الطرقات، ونزع ورقة التفاوض الأهم التي يملكها الشارع المنتفض.

@ تقود فرنسا المجموعة الدولية الراعية ل سيدر في التمسك بشدة ببقاء الرئيس الحريري في السلطة، فيما نقلت دوائر متابعة موقف أقل تمسكاً به من قبل الاميركيين والبريطانيين، الذين بدأوا ينحون الى حكومة إختصاصيين كاملة، كحل وحيد وصدمة إيجابية قد تعيد الثقة بين الناس والنظام ككل.

@ سعي الأفرقاء السياسيين لركوب الموجة الشعبية، ومحاولة استخدامها لتصفية حسابات سياسية داخل السلطة، وهنا تتقاطع مصالح جعجع-جنبلاط لإزاحة باسيل من الحكومة، ويبدو رئيس المجلس نبيه بري غير بعيد عن هذا الهدف ضمنياً، لكنه يسعى للتمسك بالثنائية الشيعية، والتنسيق التام مع حزب الله.

@ تعرض التيار الوطني الحرّ الى تفسخات محددة، ولكن يبدو أن قدرة الوزير باسيل على ضبطها مازالت مرتفعة، بفضل دعم من رئاسة الجمهورية، وهنا يسعى باسيل الى استنهاض جمهوره، وشد عصب قواعده، وتحويل الانتفاضة الشعبية، الى صراع سياسي بحت، مستخدماً شبكة نفوذ وضغط، تتضمن البلديات، النقابات، داخل وسائل الاعلام، وهنا لا بد من التوقف عند معركة رئاسة الجمهورية، التي تبدو مفتوحة بقوة، وقد يخرج من رحم أكبر موجة احتجاجات شعبية يشهدها تاريخ لبنان المعاصر، خاسر واضح، ورابحون محتملون.

@ من يقود الإنتفاضة الشعبية؟ سؤال يسعى الجميع لتحديده، كلٌّ لاهداف خاصة، فالسلطة تسعى لتطويع تلك القيادة، في حال تشكلها، ومن يملك أجندات حزبية، أو خارجية يسعى للاستثمار فيه، وفي الواقع لا قيادة واضحة في الأمد المنظور، لأن حجم هذا الاعتراض برقعته الجغرافية، وتداخله الطبقي، والطائفي، والعمري، يجعل من اي طامح لقيادته، شخصا ً كان أم مجموعة، عرضة للسقوط السريع. وهنا توقفت دوائر متابعة عند تشكل “عاميات” للانتفاضة، نقابية، مناطقية، جامعية، والتفاعل لنحو اسبوعين في الساحات، بين مجموعات طلابية، وجمعيات أهلية، بعضها حزبي سابق، وبعضها طابعه اجتماعي، والترابط بين لبنان المقيم ولبنان المغترب، في السعي لدعم الانتفاضة، ومدها بالزخم والأفكار الآيلة لعدم حرفها عن هدفها الأساسي، الا وهو محاسبة الفاسدين، كلن يعني كلن، فهل تنجح تلك المحاولات في لعبة عض الأصابع مع سلطة إمتهنت الحكم لسنوات طويلة؟ أم أن الوقت يلعب لمصلحة الاحزاب، بفعل تنظيمها وتمويلها، وستنجح في تحييد الشارع المعترض تباعاً وعلى مراحل؟

أم أن الناس حددت الأسباب للإنهيار الحاصل وهي مصممة للبقاء متحدة بهدف محاسبة مسببيه ومحاسبتهم!؟

خاتمة:

جزمت دوائر متابعة ل thinkers4me أن لبنان خارج دائرة التفاوض الإقليمي الدولي، أقله حتى اللحظة، فالأولوية هي لليمن، والعراق، وسوريا التي رسمت زيارة الرئيس بوتين للسعودية والإمارات، والتفاهم الاميركي-الروسي-التركي ملامح تسويتها العريضة، لذلك على اللبنانيين أنفسهم تحديد مسار ومصير بلادهم، وقراءة المشهد الداخلي بعمقه وشموليته وإستخلاص العبر للخروج بحلول على مقدار التحديات !

@

هل قرر حزب الله تفكيك ثورة اللبنانيين؟ وبأي وسائل؟

يقف لبنان عند مفترق طرق بعد ثبات إنتفاضة قسم لا يستهان به من الشعب اللبناني، على مساحة الوطن، في مشهد وحدوي غير مسبوق، على الاستمرار بالإضراب وقطع طرقات، حتى إستقالة السلطة التنفيذية، بفعل أعتى أزمة مالية-إقتصادية يشهدها لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990.

ما يجب متابعته:

فرز المشهد اللبناني المتسارع 3 لاعبين أساسيين، حزب الله، الشعب الثائر، مؤسسة الجيش اللبناني

* حزب الله

@ يسعى حزب الله ومنذ اللحظة الأولى لإندلاع إنتفاضة اللبنانيين، لفهم دوافعها، وتداعياتها، خصوصاً إنها شملت بيئته الحاضنة،في الجنوب والضاحية والبقاع .وقد عمد، بالتنسيق مع حركة أمل، الى محاولة كبح جماح الإندفاعة الشعبية، ورسم حدود لخطابها، وطرق الإحتجاج، في مناطقه، ونجح جزئياً في ذلك.

@ رسم الحزب على لسان أمينه العام خطوط حمراء عند بداية الاحتجاجات الشعبية: ممنوع تغيير المعادلات السياسية، وحاول توجيه المتظاهرين القريبين من فلكه نحو مصرف لبنان، ومع سقوط محاولة الحكومة الاستيعابية من خلال ورقة الإصلاحات، ومحاولة الرئيس ميشال عون الاستيعابية من خلال فتح باب التعديل الحكومي، بات حزب الله على تماس مباشر مع الساحات.

@ يسعى حزب الله ل فكفكة الإنتفاضة التي تحولت ثورة من خلال:

– الحرب النفسية والتخويف من خلال دعوة جماهيره للتظاهر :ولكن تحت أي عنوان؟ هل يكفي شعار “إلّا السيّد” ؟ أم أن هناك نيّة ل شيطنة الثورة من خلال وشمها بالقوات اللبنانية حيناً، وبأجندات خارجية وسفارات حيناً آخر!؟

– ضرب الشعار الذي وحد اللبنانيين “كلن يعني كلن” ومحاولته بالأمس الاستطلاع الميداني من خلال مجموعة منظمة ناوشت المنظمين ووسائل الاعلام، قد تكون بداية مسارٍ، دون نجاحه، قدرة حلفائه، على تحريك شارعهم، لاسيما التيار الوطني الحرّ، وهنا لابد من التوقف عند التفسخات التي ظهرت في مواقف مناهضي الوزير جبران باسيل، فهل يتجمعون ؟ وهل أرضى قيادة التيار، وحزب الله، الحشد الهزيل في بعبدا تحت عنوان التضامن مع القاضية عون؟ وهل ينجح التيار اليوم في تحريك شارعه ضمن مناطقه، كتمهيد لتحريك حزب الله شارعه، للضغط على الجيش اللبناني، بهدف زيادة ضغطه على المتظاهرين، بدءًا بالتجمعات على مفاصل المناطق المسيحية؟

– عدم وجود قيادة موحدة ل الثورة يجعل من خيار التهديد الشخصي ، محدود الفاعلية، وهنا ايضاً بات من الصعب جداً تهديد القيمين على شاشات لبنان الرئيسية، ال بي سي، الجديد، أم تي في، خصوصاً وأن مالكيها تمكنوا من التفلت من اتصالات للرئيس عون وأركان في السلطة. فهل سيتم اتهامهم بتلقي أموال السفارات لدعم الثورة؟ والى أين قد يصل هذا الاتهام والضغط على مالكي التلفزيونات، وهل يزداد الضغط على المراسلين في الشارع؟

– يدرس الحزب جيداً خطواته، وهو يعلم جيداً أن أي خطأ في الشارع سيرتد عليه، فسيكوليجية الجموع أثبتت أن زيادة الضغط على جموع غاضبة يزيدها استشراساً، والمدى الجغرافي الشامل للثورة، وتماسكها، برابط الفقر والكرامة، ومحاسبة الفاسدين، يُضيّق على أي جهة منظمة فرص قضمها.

– تحرك الشارع العراقي اليوم بعد اسبوعين على قمعه بالقوة، ومئات الضحايا وآلاف المصابين والمعتقلين، يُستخلص منها الكثير من العِبَر، خصوصاً وان الفساد والفقر يجمعان الشارعين اللبناني والعراقي، فكيف قد يؤثر ذلك على قرار حزب الله؟ وهل إيران تقرا المشهد محاولة خارجية لتقطيع أوصال نفوذها الى المتوسط؟

– سيعتمد حزب الله على الأرجح لهجة مرتفعة تتضمن تهديدا ً ويرفق ذلك بتحركات متدرجة، وتيرتها وحجمها مرتبطان بردة فعل الشارع من جهة، وقدرة الجيش على فتح الطرقات وحصر التظاهرات . كل ذلك بموازاة محاولة ترميم الحكومة، وهناك اشكالية أساسية، الى اي حد سيقبل الرئيس الحريري في السلطة اذا تطور الوضع على الأرض، خصوصًا أن الشارع يتضمن انتشاراً لاحزاب منظمة كالقوات والكتائب؟

خلاصة:

يقف حزب الله أمام مُعضلة غير مسبوقة، وكأنه يحاول الرقص بين الأفاعي، فالسلطة التي يحميها مترهلًة ومتفككة ، فكيف يحمي مصالحه داخلها؟ وماذا عن الاستقرار الداخلي، اي خيارهو الأقل تكلفة ؟ فالإنهيار الاقتصادي والمالي لا يرحم، وسيف العقوبات جاهز، والمجتمع العربي والدولي يراقب..فلبنان يحتضن لاجئين، ودولة حدودية مع اسرائيل، وتحتضن سواحله ثروات من البترول، ونظامه المصرفي حاجة لإعادة إعمار سوريا.

السلطة قررت المواجهة و48 ساعة مفصلية في تاريخ لبنان !

قرر الإئتلاف الحاكم في لبنان إنهاء الإعتراضات الشعبية غير المسبوقة في تاريخ هذا البلد المتعدد والفريد، وبدا التنسيق جلياً في كلمتي وزير الخارجية جبران باسيل من بعبدا، ورئيس الحكومة سعد الحريري، الذي شكلت نهاية خطاب مهلة ال 72 ساعة، ساعة الصفر للإنقضاض على التحرك المركزي في وسط بيروت، تحت غطاء مجموعات مندسة، عمدت الى تحطيم الممتلكات العامة، وبغطاء من غالبية الشاشات، التي فتحت الهواء للسياسيين التقليديين ، وركزت على أعمال الشغب المفتعلة، بهدف إخافة وإبعاد شريحة واسعة عن التضامن والمشاركة بالحراك الشعبي. وتحدث ناشطون عن اعتقال اكثر من 200 متظاهر، وجرح العشرات، ووزعوا صور وفيديوهات تُظهر إفراطاً في استخدام القوة، لفض التظاهرات، وبموازاة ذلك تحركت مجموعات مسلحة تابعة على الأرجح لحركة أمل وعمدت الى فتح طرقات بالقوة جنوب لبنان كما عمدت القوى الأمنية الى فتح عدد من الطرق الرئيسية في أنحاء متعددة من البلاد.

ما يجب متابعته:

@ هل ستنجح السلطة في احتواء التحركات الشعبية في يومها الثاني، بعد فتح المجال واسعاً منذ مساء الخميس حتى ليل الجمعة، للناس كي تنفس غضبها، وتعمد الى تحريك منظم لشوارعها، كل ضمن منطقة نفوذه، للضغط على منظمي التظاهرات، بدءاً بالعاصمة ووصولاً الى كافة المناطق؟! والاستعانة بالقوى الأمنية عند الضرورة لترهيب محركي التظاهرات؟

@ أم أن حجم التحركات وتوسع مداها الجغرافي سيتخطى قدرة السلطة على الاحتواء، خصوصاً أن تجارب سابقة في بلدان عدة، أظهرت أن المتظاهرين يقابلون القمع بالمزيد من الاستشراس؟!

@ إيقاع الشاشات التلفزيونية يؤثر ايضاً، والسلطة تستخدم مونتها على إدارة بعض المحطات وبعض المراسلين، لإبراز مخاطر الحراك على البلد، وقد استخدم رئيس التيار الوطني جبران باسيل سياسة التخويف بإحتراف في كلمته أمس.

@ العلاقات بين مكونات السلطة، وهنا هل هناك وحدة مسار ومصير بين الحريري-باسيل-بري، وبالتالي سينسقون تفاصيل تمرير هذه الأزمة غير المسبوقة، باستخدام منسق للعصا والجزرة، خصوصاً أن هناك معلومات عن مكوكية يقوم بها حزب الله لمنع إنفراط عقد السلطة، بداية بمجلس الوزراء، أم أن إستمرار ضغط الشارع، سيُحدث شقاقاً، خصوصاً أن مطلب استقالة الحكومة يكاد يوحد كافة الناشطين الداعين لاستمرار التحركات الشعبية، ما يضع الحريري وحيداً في “بوز المدفع” خصوصاً وان حليفيه “المفترضين” جنبلاط وجعجع أصبحا مع إسقاط الحكومة ؟!

@ من يُدير هذا الحراك؟ هذا سؤال جوابه مفصلي في استشراف الساعات المقبلة، وما تبيّن حتى الأن أن عدم وجود قيادة واضحة له هو نقطة ضعف وقوة في الوقت عينه، فمن جهة هذا يصعب على السلطات عملية قمعه، ومن جهة أخرى قد تؤدي شبحية-القيادة الى تخوف شريحة من المواطنين من أهدافه، خصوصاً مع زرع قوى السلطة بكثافة حملة شائعات هدفها دفع المواطنين للإنكفاء والرضوخ .

@ رداً على القمع المفرط وسط بيروت أمس، عمد ناشطون الى الدعوة ل لامركزية التحركات، في محاولة لتشتيت جهد السلطة، وإرهاقها، وهنا تبيّن أن جزء من إدارة الحراك هي مجموعات متمرسة، سبق وخاض جزء منها حراك 2015 المطلبي، وخرج بدروس وخلاصات، قد يستخدمها اليوم، وينجح بالالتفاف على خطط السلطة الإحتوائية!؟

خاتمة:

حجم الجوع والفقر واليأس هو من سيحدد مسار الأمور، وهنا تجزم دوائر متابعة أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان وصلت الى حدود الإنفجار، وأن تمادي السلطة في تأجيل الإصلاحات وعزمها على زيادة الضغوط على الناس وضع قسم منها أمام واقع مسدود، والمخرج الوحيد الذي يراه هو “الثورة” فلم يعد يملك ما يخسره، وهنا هل يقود الشارع حزب الله الى التخلي عن التسوية الحالية؟ هنا تكمن الكلمة الفصل!

لبنان دخل مرحلة المتغيّرات العميقة: هذه هي السيناريوهات المرتقبة!

فاجأت إنتفاضة عشرات آلاف اللبنانيين الأوساط كافة، وتزامنت مع محاولة الحكومة إنجاز موازنة 2020 وسلّة ضرائب جديدة، في ظل اعنف أزمة مالية-إقتصادية تعيشها البلاد منذ عقود، بدأت في خلالها الليرة اللبنانية تخسر من قوتها الشرائية، وفرضت المصارف قيود غير مسبوقة على تسييل الودائع بالعملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار. وساهم فشل السلطات الهائل في احتواء الحرائق الضخمة التي وصلت منازل المواطنين في وصول الغضب الى ذروته.

ما يجب متابعته:

@ سبق الانتفاضة الشعبية وقطع الطرقات المتواصل منذ مساء الخميس 17 تشرين الأول أكتوبر، أزمة ثقة بالنظام المالي، عماد الإقتصاد اللبناني، تجسدت بسحوبات هائلة وتحويلات الى الخارج قام بها عدد كبير من المودعين، لاعتبارات متعددة، لم تكن العقوبات الاميركية على جمال تراست بنك بعيدة عنها.

@ تزامنت الإنتفاضة الشعبية مع ترنح التسوية الرئاسية، وسط تجاذبات حادة سببها التعيينات وتقاذف المسؤوليات، وهجوم عنيف للوزير وليد جنبلاط ضد العهد، وتجاذبات حادة بقيت خارج الأضواء بين الوزير جبران باسيل، ورموز أساسية داخل التيار الوطني بعضها في مراكز حساسة .

@ كما تزامنت مع تجاذب على الصلاحيات بين مكونات الإئتلاف الحاكم وتفسير المادة 95 للدستور، ومبادرة وئيس مجلس النواب نبيه بري الى طرح قانون الإنتخاب على البحث الجدي.

@ سبق الانتفاضة الشعبية تهديد الوزير جبران باسيل بقلب الطاولة، ومبادرته على ضرورة زيارة دمشق وطلبه في إجتماع طارئ للجامعة العربية بعودة سوريا الى الجامعة، تزامناً مع الهجوم التركي على شمال سوريا.

@ إقليمياً: سبق الانتفاضة الشعبية اللبنانية بنحو اسبوعين تظاهرات مفاجئة وضخمة في العراق، تم التصدي لها بالقوة وسقط في خلالها مئات القتلى. كما ساهم الانسحاب الاميركي المفاجيء من مناطق الأكراد شمال سوريا في إحداث دينامية جديدة في بلاد الشام دخل على خطها الروسي والإيراني والتركي.

@ كما سبق انتفاضة اللبنانيين بداية تفاوض خليجي-ايراني برعاية روسية وباكستانية، تخللتها تطورات متسارعة في اليمن، وتعرض ناقلة نفط إيرانية لهجوم مباغت في البحر الأحمر.

@ تضييق سفارات غربية وخليجية أبواب سيدر على الحكومة اللبنانية مع تهديد واشنطن بمزيد من العقوبات، وغموض في النتائج المالية زيارة الرئيس سعد الحريري للإمارات وضبابية في موعد زيارته للسعودية.

@ رسائل واضحة ومباشرة من دوائر معنيّة بلبنان عن فقدان الثقة بالطبقة السياسية برمتها، بعد فشلها في إقرار الإصلاحات اللازمة لتجنب الإنهيار الإقتصادي، وبالتالي يدخل النظام اللبناني ككل في دائرة الخطر.

السيناريوهات المرتقبة:

* سيحاول الإئتلاف الحاكم، إستيعاب التحركات الشعبية من خلال بعض القرارات التخديرية مع زيادة القبضة الأمنية والرهان على إنفراط عقد الإنتفاضة الشعبية لغياب القيادة الموحدة والتباينات بين فصائلها، وهنا سيسعى كل حزب الى التسلل داخل الحراك الشعبي ضمن مناطقه، لمحاولة تحويله عن مساره. هذا السيناريو سيُحدث المزيد من الإضطرابات وينذر بصدامات.

* التفاهم بين الرئيسين عون والحريري، والثنائي الشيعي، على استقالة الحكومة، لقاء ضمانة أن يُشكل الحريري حكومة جديدة، وهنا قد لا تتم مشاركة القوات اللبنانية والاشتراكي فيها ، وهذا السيناريو دونه تعقيدات تتعلق بخيارات صعبة على الحريري، وقد تؤثر على ما تبقى من الغطاء الخليجي -الاميركي له. وقد لا يؤدي تقديم هذه الحكومة ضحية لتهدئة الشارع.

* التفاهم بين العهد وحزب الله، على تشكيل حكومة من لون واحد، يكون الحريري ، جنبلاط، جعجع خارجها، وهذا خيار متاح نيابياً، ولكنه عملانياً قد يتعرض لمطبات عدة ، ويفتح باب الشارع أمام مناصري المستقبل والقوات والاشتراكي، ويعيد الاصطفاف السياسي الحاد الى لبنان، وهذا ليس في مصلحة حزب الله.

* فشل الإئتلاف الحاكم في استيعاب الانتفاضة الشعبية، بسبب تناقضاته، وبعده عن هموم الناس والضغوط الهائلة التي تتعرض لها مالياً وإقتصادياً وخدماتيا ً، وهنا قد يدخل الجيش اللبناني على الخط، لفترة إنتقالية، تتم بعدها انتخابات نيابية مبكرة، ضمن تفاهمات داخلية قد لا يكون حزب الله بعيداً عنها وإقليمية -دولية ، في سيناريو مشابه للجزائر والسودان ومصر.. وقد يكون هذا الخيار مريح للعملاق الروسي الذي اصبح لاعباً أساسيًا، وقد لا تعارضه واشنطن ودول الخليج، لأن ثقتها بالطبقة السياسية الحاكمة ضعيفة جداً.

* سيناريو كرة الثلج وسعي كل زعيم لإحتواء الانتفاضة الشعبية في منطقته، وفرض حظر للتجول بعد عمليات تخريب مقصودة ومفتعلة خصوصاً في العاصمة، وضواحيها، وهذا دونه مخاطر توسع الصدامات، لأن الواقع المعيشي والحياتي صعب جدا.

خلاصة:

دخل لبنان مرحلة المتغيرات العميقة وغالبية الناس خرجت عن “طاعة” مرجعياتها، وبروز قيادة وخطة لهذه الإنتفاضة الشعبية مسألة مفصلية لإيصالها الى خواتيمها الحميدة ..وإلا الفوضى المتدرجة !

من أحرق لبنان !؟

عشرات الحرائق إندلعت دفعة واحدة في مناطق لبنانية متعددة، عززتها رياح جافة ومناخ صحراوي، وساهمت الإمكانات المتواضعة للسلطات اللبنانية وغياب السياسات الوقائية، في تمدد النيران لتصل الى منازل المواطنين، ولأن غالبية المسؤولين كانوا نياماً، تأخرت إستغاثات المواطنين، وبكاء المراسلين الصحافيين، على الهواء مباشرة، في إستحضار النجدة، نجدة أمنتها قيادة الجيش اللبناني بمروحياتها والسلطات القبرصية صباحاً، بإرسال طائرات مخصصة للسيطرة على النيران، فيما الطائرات التي اشترتها السلطات اللبنانية قبل سنوات، قابعة في مطار بيروت الذي يبعد مسافة 5 دقائق طيران عن نيران ساحل الشوف، لكنها عاجزة عن الطيران بسبب غياب الصيانة والسياسات التقشفية التي إعتمدتها الحكومة، وسط اشرس أزمة مالية يعيشها لبنان منذ عقود.

من المسؤول ؟

@ إندلاع عشرات الحرائق دفعة واحدة وفي مناطق جغرافية متباعدة، يطرح أسئلة مشروعة، عن المستفيد من هذه النيران، بدءاً بصغار التجار بالفحم والحطب ووصولاً الى اصحاب الأراضي الحرجية، والتي يشكل وجود الأشجار فيها، لاسيما الصنوبر، عائقاً تقنياً أمام إمكانية استثمارها . وهنا لم تجرِ أي تحقيقات جدية سابقاً في كافة المواسم التي شهدت حرائق ولم يتم محاسبة أحد !

– عادة تلجأ السلطات الى ترقب موجات الحرّ غير المألوفة، خصوصاً اذا ما ترافقت مع انحباس الأمطار منذ الربيع، لتطلق مجموعة تحذيرات، وتضع امكاناتها وإمكانات السلطات المحلية في تأهب، للجم أي حريق فور إندلاعه. وهذا لم يحصل، بل كانت البلاد منشغلة كالعادة في التراشق السياسي، الذي طغى غباره على النيران التي كادت أن تتسبب بكارثة بشرية حقيقية.

@ المواطن هو ايضاً مسؤول، فقد تُسبب عادات سيئة، حرائق ضخمة، كرمي سيجارة او زجاج، او اي مادة قابلة للاشتعال، وهنا أيضاً على السلطات المحلية كالبلديات، ووزارة الداخلية والبيئة، اطلاق حملات توعوية لمكافحة تلك العادات السيئة.

تساؤلات:

* لماذا تأخر طلب المساعدة من السلطات القبرصية 36 ساعة؟ خصوصاً وان حريق منطقة المشرف إمتد ولامس المنازل والمدارس والجامعات منذ صباح الإثنين !؟

* كيف تترك السلطات اللبنانية أحراجها ومواطنيها عرضة للنيران وإمكانية تمددها دون تحضير إمكانات وقائية وفعالة!؟

* هل سيتم فتح تحقيق جدي لمعرفة اذا كانت بعض الحرائق مفتعلة؟ ومحاسبة المسؤولين عنها؟ أو المقصرين من المسؤولين عن لبنان بشعبه وغاباته!؟

تفاهمات بين بوتين وترامب بدأت في سوريا وتنسحب على الإقليم برمته !

كشفت مصادر متطابقة ل Thinkers4Me أن الانسحاب المفاجيء الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من شمال سوريا قبل أيام، هو في الواقع تنفيذاً لتفاهمات سبق وعقدها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أسابيع، وتشمل تقاسم نفوذ في الإقليم، بحيث يُرتب الروسي وضع سوريا، مع الحفاظ على مصالح محدودة لتركيا شمال البلاد، ومصالح حدودية لإسرائيل مع “تنظيم” التواجد العسكري الإيراني، ويحتفظ الأميركيون بقاعدة التنف على طريق بغداد-دمشق-عمان، علماً أنها فقدت جزءاً مهماً من حيويتها، بعد إفتتاح معبر البوكمال بين العراق وسوريا.

وبحسب المصادر المتطابقة فإن التفاهمات تشمل:

@ العراق: والعمل جارٍ في بغداد لتشكيل سلطة تكون أقل تبعية لإيران وفي الوقت عينه تحفظ مصالح واشنطن وجيران العراق لاسيما السعودية والكويت، وتساهم في تخفيف وطأة الأزمات المعيشية الخانقة على السكان من خلال اتباع سياسات وخطط اكثر توازناً وتساهم في تنمية العراق المنكوب.

@ لبنان: تحتفظ واشنطن بمصالحها في لبنان وتعمل على ضمان ترسيم حدود برية وبحرية مع اسرائيل، ضمن صفقة قد تشمل الانسحاب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وترتيبات حدودية بضمان القوات الدولية، والجيش اللبناني، بحيث يتم العمل على ضبط كافة الحدود، بما فيها مع سوريا، والحدود البحرية لوقف أي نزوح باتجاه اوروبا، أو اي عمليات تهريب. وهنا يبدو أن واشنطن قد لا تمانع في إنضمام مشروع الغاز اللبناني الى الخط والأنابيب التي تعتزم موسكو إقامتها بالتعاون مع تركيا، ويبدو هنا أن هناك التقاء في مصالح واشنطن-وموسكو على تمكين القوات الشرعية اللبنانية ومؤسسات الدولة، وتحويل لبنان الى منطلق ثابت وحيوي لإدارة عمليات إعادة بناء سوريا، وربما مناطق من العراق أيضاً، في أكثر من قطاع.

@ ترتيب الوضع في اليمن وإنهاء الحرب فيها، بحيث تتولى واشنطن إدارة حوار بين الرياض والحوثيين، وتسعى موسكو للحد من أي تأثيرات سلبية إيرانية، على مسار التسوية .

@ لا تمانع موسكو في المبدأ استمرار سياسة العقوبات الاميركية ضد النظام في ايران وحلفائه في المنطقة، فالرئيس الروسي طامح لتعزيز علاقاته مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات، وبالتالي قد يكون كبح جماح الطموحات الإيرانية تقاطعاً بينه وبين واشنطن، خصوصاً وأن استقرار إمدادات النفط والوصول الى سعر مناسب للمنتجين، هما في صلب مصالح بلاده الحيوية، وقد نجحت علاقته بالرياض في تحقيق هذا الهدف وهو بالتالي يسعى لتعزيز علاقاته الاقتصادية وتوسيعها الى المجالات العسكرية والأمنية مع الخليج العربي.

@ عدم حماسة ترامب وبوتين لإعادة إنتخاب نتياهو في اسرائيل كانت واضحة، فمن جهة يأخذ ترامب على نتنياهو توثيق علاقات بلاده بالصين وتلزيم تطوير مرفأ حيفا -احد ابرز موانيء شرق المتوسط- للعملاق الأصفر إضافة لشركة هواوي وشبكات الجيل الخامس ، في حين يفضل بوتين التعاطي مع جنرالات في السلطة، لأن طبيعتهم تكون أقرب لتركيبة النظام الحديدي الروسي، وبالتالي يسهل التقاطع معهم على مصالح وخطط مستقبلية، كما أن موسكو تُفضل “خنق المتطرفين” في منطقة تسعى لترسيخ حضورها فيها لعقود طالعة.

في الختام لابد من التشديد على أن التهدئة وإيجاد التسويات النهائية هو من مصلحة المنتصر، وها هو بوتين على قاب قوسين او ادنى من إعلان إنتصاره في سوريا، ولن يكتمل اي انتصار الا بتسوية وإعادة إعمار تشارك فيه دول إقليمية لها مصالح في بلاد الشام، المتعددة المذاهب والمشارب!