لبنان المأزوم في الذكرى ال 76 لإستقلاله عالق بين “نصف سلطة” و”نصف ثورة” !

ثلاثة أسابيع ونيّف مضت على إستقالة الحكومة دون تعيين موعد للاستشارات النيابية المُلزمة من قبل رئيس الجمهورية، كما ينص الدستور، وهي سابقة منذ إتفاق الطائف، الذي رسم ملامح توازنات جديدة داخل السلطة، بين الطوائف والمذاهب، في ختام حرب أهلية أليمة، أعادت توزيع السلطة والثروة جذرياً، قبل ثلاثة عقود، فهل دخل لبنان زمن المتغيّرات العميقة، وسط الزالزل المتلاحقة في الإقليم، مع تعثر قطاعه المصرفي الحيوي، وركود غير مسبوق في غالبية قطاعاته الإقتصادية؟ والى أي مدى قد تستمر “أزمة الحكم” المتمثلة بالعجز عن تشكيل سلطة تنفيذية، وتداعياتها شبه المدمرة على عملة وطنية فقدت نحو 30% من قيمتها مقابل الدولار حتى اللحظة، وشعب يستورد كافة المواد الأساسية من طحين ومحروقات وأدوية؟

ما يجب متابعته:

@ كشفت دوائر معنية ل thinkers4me أن فرنسا تسعى لتسوية، تتضمن تشكيل حكومة تُطمئن حزب الله بالحد الأدنى، ولا تستفز الشارع الغاضب، وتأخذ فترة سماح من اي عقوبات أميركية مدعومة خليجيًا، وتشكل منطلقاً لإقرار إصلاحات عاجلة، تواكبها معونات مالية طارئة، تؤخر الإنهيار المالي والاقتصادي الشامل، وتسعى لإستعادة الثقة، ولو جزئياً بال system المتمثل بالمصارف أولاً. لهذه الغاية تدور مفاوضات مباشرة بين الفرنسيين وحزب الله، الذي وضع خط أحمر أمام :

– استبعاده عن أي حكومة

– إنهيار مالي وإقتصادي شامل قد يكون المدخل الى الفوضى

– صدام بين شارعين، واحد موالٍ ل “الثورة” وآخر مناهض لها

@ مدة ومدى القيود المصرفية، وخلفياتها الفعلية ، بمعنى آخر الى أي مدى تعكس جفاف السيولة بالعملات الصعبة المتوافرة في مصرف لبنان؟ أم أن هناك من يستخدمها كسلاح فعال في الكباش المعقد على السلطة داخلياً وخارجياً.

@ أظهرت بيانات لمؤسسات أميركية متخصصة، أن زلزال العقوبات التي تم فرضها على جمال تراست بنك، نهاية آب أغسطس المنصرم، أدت الى خروج نحو 10 مليارات دولار من المصارف اللبنانية في 10 أسابيع، قسم منها تم تحويلها الى الخارج، أيّ قبرص وأوروبا بالدرجة الأولى، وهي عائدة الى مصرفيين وسياسيين ورجال أعمال مقربون، والقسم الآخر تم تسييلها، ومن الصعب تحديد الكمية التي إستفاد منها النظام السوري، أو حتى إيران، الخاضعان لعقوبات أميركية خانقة أدت الى هبوط عملتهما الوطنية في شكل كبير في الأسابيع والأشهر المنصرمة!

@ أسباب وتداعيات والمدى الزمني لتمسك الثنائي الشيعي ب”إلزام” الرئيس سعد الحريري بترؤس أو بتسمية ودعم رئيس الحكومة العتيدة، وهنا لم تتضح بعد طبيعة الكباش الحاصل داخل الإئتلاف الحاكم كاملةً، وطبيعة العلاقة بين الثنائي الشيعي-رئاسة الجمهورية والتيار برئاسة الوزير جبران باسيل وبين رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري ، خصوصاً وأن مسألة التكنوقراط والتكنوسياسية، تبدو مجرد غطاء، لتفاهمات تزعزعت بفعل زلازل متلاحقة، شعبية، مالية، نقدية، وقضائية..وهنا يلفت مواقف لنواب في كتلة المستقبل تتحدث عن حكومة مؤقتة وإنتخابات مُبكرة!

@ طبيعة العلاقة بين قائد الجيش اللبناني من جهة، والسلطة السياسية من جهة ثانية، خصوصاً مع النقد الذي ظهر مؤخراً على لسان النائب علي عمار ومقربين من الرئيس بري، والى متى ستدوم معادلة : حماية المتظاهرين وحماية حق التنقل، في أزمة مرشحة للتفاعل على الأرض في أي لحظة. وهنا لا بد من التذكير بأن مؤسسة الجيش قد تتحول الى ملاذ أخير مؤقت في حال تعثرت السلطة السياسية في إدارة أزماتها الداخلية والأزمات الحياتية والمعيشية التي لامست الخط الأحمر

@ ارتفاع منسوب “ضبط الثورة” من قبل الثنائي الشيعي، خصوصاً بعد الحملات التي تعرض لها صحافيون، والتظاهرات -الإنذار أمام قناة الجديد، وقرار حجبها من قبل موزعي الكابلات في مناطق واسعة خاضعة لنفوذ هذا الثنائي، إضافة الى موجة شائعات وتسريبات هائلة، وهنا ربطت دوائر معنية تصاعد تلك الإجراءات بمجموعة تطورات، قد تبدأ بالدخول الاميركي المتكرر على خط استثمار الثورة من جهة ولا تنتهي بمحاولة تجييرها داخلياً على المستويين الوزاري والقضائي.

@ إقدام الثورة، التي ثبتت قدرتها التعطيلية، بشكل متكرر، وآخرها تمثل بمنع إنعقاد جلسة مجلس النواب التشريعية قبل ايام، على المبادرة وإقتراح حلول قصيرة ومتوسطة الأمد، بحيث تستثمر قدرتها على التعطيل بمبادرة او مجموعة مبادرات، تُهديء جزئياً من إرتفاع منسوب القلق الذي بدأ يلامس الهلع، عند شرائح معينة، وتساهم في تخفيف آلام ومخاطر المرحلة الإنتقالية الشديدة الحساسية التي تمر بها بلاد الأرز .

خاتمة:

لبنان عالق بين نصف سلطة، تحاول أحزابها، إدارة ازماتها الداخلية، وأزمة العلاقة بين مكوناتها، لمحاولة تثبيت توازنات ما قبل 17 تشرين الأول، أو تقديم تنازلات شكلية، وبين نصف ثورة نجحت في 37 يوماً في الاستحواذ على غالبية الرأي العام الداخلي والخارجي، وزرعت بصيص أمل، ولو ضئيل، في إمكانية قيامة جديدة ل لبنان، دونها مجموعة تحديات وعقبات، وأزمات غير مسبوقة، ولعل النار التي تم إضرامها بمجسم الثورة وسط بيروت، مؤشر على حماوة اللحظة، فهل يُخرج هذا المخاض تسويةً تدار في خلالها الأزمات والمتغيّرات العميقة؟ أم أن تداخل عناصر الاشتباك، وتشعبها، داخلياً، وإقليميا-دولياً يفرض المزيد من الوقت والحماوة!؟

ثورة لبنان بين قدرة التعطيل وإمكانيات التغيير !

فجرت مقابلة رئيس الجمهورية المتلفزة موجة غضب وإحتجاجات وقطع طرقات، سقط في خلالها ضحية برصاصة في رأسه إثر إشكال بين شخصية أمنية-عسكرية و”ناشط حزبي”في الثورة في منطقة خلدة المحورية، التي تربط بيروت وضاحيتها الجنوبية من جهة، والجنوب من جهة ثانية. تصاعد التوتر يأتي في إطار حسم هوية رئيس الحكومة العتيدة وشكلها.

ما يجب التوقف عنده ومتابعته:

@ إختيار رئيس الجمهورية الحوار المباشر تلفزيونيًا بدل تعيين موعد للاستشارات النيابية الملزمة، يُظهر سعيه مع الثنائي الشيعي، للتمسك بالحريري في رئاسة الحكومة، ضمن حكومة تكنو-سياسية، تضم حزب الله، وتركزت قراءة الرئيس عون ومواقفه من الثورة، على محاولة ربط المسار والمصير مع حزب الله، لا بل دفع حزب الله الى ممارسة التغطية الكاملة للعهد، من خلال استدراج ردة فعل غاضبة، تتسلل اليها القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي وتيار المستقبل، ما يعيد الإصطفافات الحزبية والمذهبية الى ما قبل 17 تشرين الأول، ورفع سقف المطالب إلى إسقاط الرئيس في الشارع والتظاهر وقطع طرقات في مفاصل يعتبرها الحزب خطوط حمراء، ما يضع حزب الله أمام خيار وحيد، “ضبضة الشارع” من خلال التهديد بشارع مقابل شارع في مرحلة أولى، وقد تسرّع الإشكالات المحتملة، وارتفاع لهجة خطاب المتظاهرين، من ضغط الحزب على الجيش، ودفعه لزيادة ضغطه على المتظاهرين لفتح الطرقات.

@ يسعى الرئيس الحريري للبقاء في السلطة على رأس فريق عمل تكنوقراطي، متخصص، يزيل الوجوه السياسية النافرة، التي عطلت برأيه، فاعلية حكومتيه السابقتين، ويحمي حكومته من عقوبات أميركية مرتقبة ضد حزب الله وحلفائه، وهنا نقطة خلافية مع الثنائي الشيعي والعهد، قد لا تُذَلّل بسهولة، يليها عقدة قبول الشارع بعودته الى رئاسة الحكومة، حكومة مُقَدَّر لها أن تحاول إدارة أعنف أزمة مالية-نقدية-إقتصادية يشهدها لبنان في تاريخه المعاصر .

@ تقف الثورة عند حدود القدرة على التعطيل ولم تلامس بعد، ولأسباب متعددة، القدرة على التغيير، ويتسلل اليها أجندات حزبية، ترى في الشارع السلاح الوحيد المتاح، للضغط في تشكيل الحكومة من جهة، ولاستعادة توازنات خربطها زلزال 17 تشرين الأول، وهنا نجحت قوى الإئتلاف الحاكم منذ استقالة الرئيس الحريري، في وضع الدوائر المعنية بالثورة في خانة رد الفعل، وليس المبادرة والفعل في غالب الأحيان، نظراً لمجموعة عوامل منها “تاريخية الزعامات”، وحديدية تنظيماتها، وترابطها الوثيق بشبكات مصرفية، إعلامية، نقابية، وفي مفاصل الإدارة، و قادة المؤسسات الدينية. فكفكة هذا الترابط يحتاج الى المزيد من الوقت والجهد والى الحفاظ على سلمية الثورة وشعاراتها الجامعة الداعية لمكافحة الفساد، كلن يعني كلن.

@ هل نجح الرئيس عون في حشر حزب الله وتضييق خياراته؟ الإجابة على هذا السؤال محورية لمحاولة ترقب خطوات الحزب الآتية، خصوصاً وأن كلمة نصرالله الأخيرة، اتسمت بالإيجابية لناحية سعي الثورة لمكافحة الفساد، ولكنه ترك ذلك ضمن الوضعية السياسية والقضائية الحالية، وهنا ما هي خطوط الحزب الحمراء؟ وما هي أدواته لمنع خرقها؟ وكيف سيتصرف اذا تصاعدت المطالبة بإستقالة رئيس الجمهورية؟ وهل يخرج من رحم هذا الإحتقان غير المسبوق تسوية حكومية؟ وما هو الحد الزمني الذي يضعه الحزب لغضب الناس من كلمة الرئيس؟ وكيف سيرد اذا تم اتباعه كوسيلة ضغط حتى استيلاد الحكومة؟ وهنا لابد من التوقف عند تطور خطاب الحزب من الاحتجاجات الذي قد يعود الى تقديرات تظهر عمق هذه الثورة وشموليتها والناتجة عن عوامل اقتصادية واجتماعية غير ممكن تجاهلها، لا بل قد يكون من الصعب تخفيف سرعة تفاقمها، الا بإعادة دوران مؤسسات الدولة، ومحاولة إدارة الأزمات المتداخلة.

@ لا يمكن تجاهل المواجهة الحالية بين غزّة وإسرائيل، والتي اندلعت بعد اعتداء اسرائيلي مزدوج على قادة الجهاد الإسلامي حليف ايران، خصوصاً وإن دمشق كانت هدفاً للاعتداء في بداية المواجهة، فكيف قد تتطور ؟ وهل هناك إمكانية لتوسعها؟ بمعنى آخر هل تعيد مواجهة “محدودة مع اسرائيل” خلط الأوراق داخليا ً وتكون أولى تداعياتها وقف الثورة ؟ احتمال يبقى غير مُرجح ولكنه موجود.

خاتمة:

الأزمات في لبنان متداخلة ومتحركة بسرعة قياسية، ويصعب على اي فريق داخلي او خارجي قراءة تفاصيلها، بواقعية وشمولية، ما يضع الجميع في حالة دفاعية بإمتياز، ولعل محاولة فهم إنضمام علاء ابو فخر الى الثورة، أملاً بإصلاح حزبه من الداخل، دون اي توجيه او مباركة من زعيمه، وبذله حياته ثمن احلامه، وهو في ريعان شبابه، وفي صورة مشهدية مؤلمة أمام زوجته وإبنه، وأمام ملايين القلوب الشاخصة على إستيقاظ وعي شعبي جماعي، يسعى بكل قدراته، لمنع وطنه من الأفول في دائرة الفقر والدوران في حلقة مفرغة ملؤها الطائفية والمذهبية ومكللة بالفساد، اكثر تعبيرا ًعن أي قراءة جامدة، لثورة شعب، تختلط في جيناته العاطفة ومقدرات العلم والتفوق العالية، ويسعى جاهداً لإعادة تكوين هويته وإنتظامه العام، خارج المألوف أوالمتوقع، فهل ينجح في بناء وطن يُشبه أحلام وطموحات شبابه؟ وبأي ثمن ؟

لبنان الصاخب والمتغيّرات العميقة : رزمة أزمات وجودية وآفاق مفتوحة!

تكاد تُكمل ثورة القسم الأكبر من اللبنانين شهرها الأول، ونجحت حركة الاحتجاجات السلمية في إختراق طبقات متعددة من مفاصل المجتمعات اللبنانية، أفقياً وعامودياً، يجمعها شعارات مطلبية حيوية والمطالبة بالمحاسبة ولجم الفاسدين، وسط أعتى أزمة مالية وإقتصادية، يشهدها تاريخ لبنان المعاصر، وأزمة حكم بعد إنهيار شبه تام للتسوية الرئاسية التي رسمت الخطوط العريضة لتقاسم السلطة بين أحزاب وتيارات، إحتكرت حتى الأمس القريب، المشهد العام لثلاثة عقود خلت، ونجحت بتثبيت مواقعها ضمن توازنات متحركة أفرزتها الصناديق في الأعوام 2005 و2009 و2018، الى أن تفجرت موجة تظاهرات واحتجاجات عارمة في 17 تشرين الأول 2019: عنوانها الوحيد -كفى!

ما يجب متابعته:

@ شكّل إرتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، وبداية تقييد ودائع الطبقة الوسطى المصرفية، بداية تشرين الأول أكتوبر، الدافع الأساسي للثورة، ويطغى اليوم همّ تعثر المصارف في تأمين السيولة الكافية على ما عداه، ويزيد من ذعر المودعين وتهافتهم على سحب أو تحويل ودائعهم الى خارج لبنان، فهل من عوامل أو إجراءات ممكنة قادرة على فرملة هذا المسار الإنحداري، الذي بات يُهدد بإنهيار مالي، نقدي وإقتصادي شامل!؟

@ تجزم دوائر متابعة ل Thinker4Me أن الوقت بات ضيق جداً، ولا مفرّ من تشكيل حكومة، في الأيام القليلة المقبلة، تُرضي الشارع بالحد الأدنى، وتشكل إطاراً لسلسلة خطوات إنقاذية، هدفها إدارة الأزمات المالية الحادة، وتُجنِّب البلاد سيناريو الإنحدار الأُفقي للمصارف، عماد الإقتصاد، وهنا يعوّل كثيراً على مبادرة فرنسية، منسقة بالحد الأدنى، مع الخليج، وواشنطن ولندن، تبدأ بزيارة لموفد رفيع في غضون يوم أو يومين، تتضمن افكاراً وإقتراحات، جزء منها جرعة إلتزام مالي، والجزء الآخر يتعلق بتوازنات الحكومة العتيدة، رئيسها، شكلها، ومهمتها، مع إنسداد أفق الافرقاء الداخليين في إستيلاد المخارج.

@ شكل سعي الأفرقاء الداخليين، لإستثمار موجة الإحتجاجات، لتصفية حسابات فيما بينهم، تحت شعار مكافحة الفساد، دون محاولة تنظيم الإنهيار، أو إدارة الأزمات المتداخلة، عنصراً ضاغطاً على الوضع المأزوم ككل، وهنا سُجلت مجموعة كباشات، ومحاولات لسحب البساط، حتى بين من كانوا حلفاء، وفيما يؤكد حاكم المصرف المركزي مد المصارف والأسواق بالحد الأدنى الكافي من السيولة بالدولار، تقف المصارف شبه عاجزة عن تلبية حاجات الأسواق والمودعين، فهل تزايدت عمليات تحويل الأموال الى الخارج، وتحت أي غطاء!؟ خصوصاً بعد تسريب رفض مرجعيات عليا طلب المصارف، تشريعات تحمي قيودها التي فرضتها بالفعل من أي مساءلة أو دعاوى قضائية، وكأن سلاح الدولار هو الأكثر فاعلية في هذا الكباش المتعدد الأطراف والأهداف !

@ يبدو هنا موقف حزب الله مفصلي، وبالتالي سيشكل المدخل لمسار الثورة والأزمات، فمن جهة يتوجس الحزب من محاولة استثمار أفرقاء داخليين مدعومين من الخارج حراجة الظروف لفرض توازنات حكومية جديدة عليه، ومن جهة أخرى يسعى لمنع الانهيار والفوضى، التي بدورها تشكل مخاطر جمّة على الوضع ككل بكافة أفرقائه، وهل تُشكل إدانة أفرقاء داخليين التصاريح الاميركية الأخيرة تطميناً نسبياً للحزب، يبني عليه، أم أن تزامن صخب العراق ولبنان، سيعزز فرضية الإستهداف الاقليمي الشامل لنفوذ إيران!؟ وكيف سيكون الرد المنتظر !؟

@ وضعت الثورة أفرقاء وزعامات، كانت تشعر أنها خارج المحاسبة او حتى المساءلة، في موقف دفاعي، وشكل استمرارها وتمددها لأربعة أسابيع، حال قلق متفاقمة، تجعل من وضع سقف للخسائر، أمراً صعباً للغاية، فالغضب الشعبي من جهة، وحراجة الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية من جهة ثانية، تضع المسؤولين أمام كرة ثلج متنامية باستمرار، لم تنفع معها الاستدعاءات الشكلية ولا التصاريح العمومية، فالشعب تنين ثائر يحتاج لإلتهام أضحية فداء، ونسبة الوعي الجماعي عند الأجيال الثائرة عالية ، ولا تنطلي عليها أساليب تقليدية، حاولت أطراف السلطة اتباعها مؤخراً.

@ في إطار فكفكة التعقيدات، وتسهيل المخارج، بدأت دوائر معنية، بطرح فكرة توزير مجموعة من الخبراء والاختصاصيين، سبق وأجتمعوا لأشهر العام المنصرم، بمبادرة من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ممثلين غالبية أحزاب السلطة والمعارضة حينها، وخرجوا بورقة عمل إنقاذية، مثلت الوزيرة ريا الحسن تيار المستقبل في تلك المبادرة، فهل تشكل هذه المجموعة نواة الحكومة العتيدة؟ ويتم تطعيمها بشخصيات مستقلة مشهود لها بالكفاءة ونظافة الكف، قد تُشكل ضمانة أو أرضية لإدارة الأزمات، وإنشاء آلية وإطار لمحاسبة كل من تحوم حوله شبهة فساد، وتُهديء قليلاً من صخب الشارع الثائر، بعيداً عن محاولات تمثيل الحراك او الثورة، وهنا لفتت مصادر متابعة، أن كل من يحاول إدعاء تمثيل هذا الشارع الواسع، سيحرق نفسه، وستلتهمه غضبة شعارات ومطالب الشارع المرتفعة جداً!

خاتمة:

يكاد يُجمع المراقبون أن ما يشهده لبنان اليوم هو متغيرات بنيوية عميقة، وكأنه يُنهي فصلاً كاملاً من تاريخه ليبدأ فصول جديدة، ومسار التغيير بدأ ولكنه بحاجة الى وقت لتظهير مفاعيله، فيما الأزمات المتدكسة تكاد نافذة الوقت تُغلق أمامها قبيل تفجرها تباعاً، او دفعة واحدة، فهل نحن أمام الأسبوع المفصلي للبناء على تجربة غير مسبوقة في تاريخ لبنان!؟ أم أن عملية التناحر على السلطة بين أفرقائها ستبقى هي الطاغية، ويقفز لبنان شعباً وأحزاباً وسلطة ولاجئين الى المجهول !؟

مصير لبنان المُضطرب بيد أبنائه، فكيف سيواجهون أزماتهم !؟

يخطو لبنان، سلطةً، أحزاب، وشوارع، وأزمة إقتصادية ومالية، في حقل الغام بعضها ظاهر وبعضها مموه بشكل دقيق، وسط تداخل إشتباك الداخل المعقد بمصالح الأحلاف الخارجية، تزامناً مع محاولة تجيير زلزال الشارع داخل توازنات السلطة التنفيذية.

ما يجب التوقف عنده:

@ دخول أميركي متزايد على خط الإشتباك الداخلي-الإقليمي ، فبعد بيان لوزير الخارجية مايك بومبيو شدد فيه على ضرورة تشكيل حكومة تحظى بثقة الشعب، مركزاً على الفساد وتأخر الإصلاحات الاقتصادية، إستتبعه موقف يصب في الاتجاه نفسه وأكثر وضوحاً لمساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى دايفيد شينكيرمرفقاً بتصريح لمسؤول كبير في الخارجية ل الحرة قال فيه:

* “سمعنا من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قبل أيام يتحدث عن انهيار إذا لم يترك المتظاهرون الشوارع، ولكن واقع الأمر أنه هو حاكم مصرف لبنان منذ أكثر من عشرين عاماً فلماذا الانهيار الآن؟ ليس بسبب أن المتظاهرين خرجوا إلى الشوارع ولكن لأن هناك أزمة. والأزمة قائمة لعدم وجود إصلاحات اقتصادية وبسبب الفساد

* لن يكون هناك إنقاذ للبنان. على لبنان أن يجري إصلاحات وإذا فعلوا ذلك فسيفتحون المجال أمام تمويل سيدر الذي يقدر ب 11.7 مليار دولار. عليهم أن يشكلوا حكومة قادرة على تحقيق نوع من الإصلاح .

* لا أريد التوقع من سيخلف الحريري، هناك الكثير من “السنة” في لبنان الذين يشكلون 34 في المئة من الشعب اللبناني. لا أريد التعليق على شخصيات أبداً. أريد التحدث عن أفكار وعن الإصلاح ومكافحة الفساد. وهذه الأشياء هي المهمة بمعزل عن شخص رئيس الحكومة”. وتوقع أن تستمر المرحلة الانتقالية في لبنان لأسابيع

* نتطلع في الأسابيع والأشهر المقبلة إلى تصنيف أشخاص غير شيعة بمعزل عن مذهبهم وطائفتهم لتقديمهم الدعم لحزب الله ونعمل مع وزارة الخزانة على ذلك. وسيكون لهذا الأمر تأثير كبير على الدينامية على الأرض بين حلفاء حزب الله”

* ترافقت هذه التصاريح مع ‏تقرير ل رويترز كشف أن إدارة الرئيس ⁧‫دونالد ترامب‬⁩ قررت حجب مساعدات عسكرية عن الجيش اللبناني بقيمة 105 مليون دولار. ونقلت «رويترز» عن مسؤولَين (2) أميركيين رفضا الكشف عن إسميهما أن وزارة الخارجية أبلغت الكونغرس أن مكتب الميزانية في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي إتخذا ذلك القرار، من دون الإشارة إلى سببه.

@ دخول ايراني على خط الأزمة في لبنان والعراق على لسان المرشد الأعلى علي خامنئي قال فيه :

* إن الولايات المتحدة الأمريكية ومن وصفهم بـ”الدول الرجعية” في المنطقة يقومون بإثارة الفوضى اليوم أكثر من أي وقت مضى.

* أكبر ضربة يمكن ان يوجهها الاعداء لبلد ما هو تقويض أمنه وهو الامر الذي شرعوا به اليوم في بعض دول المنطقة وحرموا المواطنين فيها من التنعم بالأمن.. أميركا واجهزة الاستخبارات الغربية تقوم اليوم أكثر من غيرها في العالم وبتمويل من الدول الرجعية في المنطقة بإثارة الفوضى والاضطرابات وهو ما يعد اسوأ عداء وأخطر حقد ضد شعب ما”.

* نصيحة للحريصين على مصلحة العراق ولبنان أن يجعلوا معالجة اضطراب الأمن أولوية لهم.. إن شعبي هذين البلدين لهما مطالب مشروعة ولكن عليهما أن يعلما بان هذه المطالب ممكنة وقابلة للتحقق في اطر الآليات القانونية، اذ عندما تنهار الاطر القانونية في بلد ما لا يمكن القيام باي عمل وحينما يحدث الفراغ في بلد ما لا يمكن القيام باي خطوة إيجابية”

ما يجب متابعته

@ كلمة أمين عام حزب الله اليوم الجمعة، والتي قد تُحدِّد السقف ضمن توازنات الحكومة العتيدة، وهنا سيظهر رد حزب الله على إستقالة الرئيس سعد الحريري تحت ضغط الشارع وخلافاً لمساعي الحزب، وكيف قد ينعكس على إعادة تسميته لتشكيل الحكومة الجديدة، ويتوقع أن تكون الدعوة أكثر وضوحاً لوقف قطع الطرقات وحصر أي حركة إحتجاجية ضمن ضوابط مطلبية، وتوقفت دوائر متابعة لما يجري في لبنان عند إطلاق الحزب صاروخ ارض جو على مسيّرة إسرائيلية فوق جنوب لبنان، وكأنه يرسم خطأً غير قابل للتجاوز، بشأن محاولات إستثمار الشارع في التوازنات السياسية داخل مجلس الوزراء، فهل يتم الحفاظ على التسوية الرئاسية وإن بأشكال مختلفة، أمٍ أن الأكثرية النيابية سيتم التلويح بها او استخدامها، طالما أن الحزب إستشعر الاستهداف منذ اللحظة الأولى، وكيف قد يؤثر ذلك علي الملف الاقتصادي والمالي، وهنا بيت القصيد! .

@ سعى رئيس الجمهورية في خطاب منتصف ولايته الرئاسية في تبني شعارات عدة صرخ بها اللبنانيون في الأسبوعين المنصرمين، في حين ربط تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس الحكومة بحد أدنى من توافق سياسي، يسعى التيار الوطني الحر لإستنهاض شارعه والقيام بتظاهرة مركزية يوم الأحد المقبل، لرسم خط دفاع شعبي، أمام إستهداف رئيس الجمهورية بأي موجة جديدة من الاحتجاجات قد يُحدثها تأخر تشكيل الحكومة .

@ بعد إستقالة الحكومة موقف الجيش والقوى الأمنية الحازم تجاه أي محاولات لقطع طرقات، لاسيما في المفاصل الأساسية، ويُقرأ فيه خطأً فاصلاً يؤطر الاحتجاجات داخل الساحات، وحماية الأطر الدستورية لإستيعاب الإحتقان السياسي والشعبي.

@ الإستثمار السياسي في الشارع، ولفت تحرك شارع الحريري الشامل، رداً على قبول بعبدا استقالة الحكومة دون تعيين موعد للاستشارات، وعودة الخطاب الطائفي والمذهبي والحزبي، عبر الشاشات وفي بعض الساحات، وهذا مسار مرشح للتزايد وفي اكثر من اتجاه، لتثبيت المواقع وللضغط على مسار تشكيل الحكومة.

@ يبقى السؤال الأهم هل يستمر الزخم في الشارع؟ وما هو مصير شعار كلن يعني كلن وأولوية الشعارات المطلبية ومواجهة الفساد، مع سعي القوى التقليدية، لإستخدام الشارع والإعلام، في محاولة لركب موجة أكبر سلسلة إحتجاجات شعبية يشهدها لبنان، والاستثمار فيها، ولعل موجة قطع الطرقات ليل الإربعاء-الخميس، تحت شعار منع تيار المستقبل من حرف المسار العام، ورد الجيش والقوى الأمنية السريع، هي بروفا، وتحدٍ في الوقت عينه، فبأي زخم سيواكب الشارع مسألة التكليف وتشكيل الحكومة، والسقوف السياسية والأمنية التي قد تضيق تباعاً، مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث.وهنا يُطرح السؤال الأساسي: هل نجحت قوى السلطة بفعل تقاطع مصالح الأمر الواقع في فكفكة “ثورة اللبنانيين” أم أن حجم الخروقات سيبقى ضمن المتوقع، وستستعيد للمجموعات التي نسقت الحراك في استعادة المبادرة في خلال عطلة نهاية الأسبوع؟

@ تداعيات القيود المصرفية على سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار وعلى الحركة الاقتصادية بشكل عام، وكيف سيؤثر ذلك على مزاج الشارع، فهل يُفاقم حركة الاحتجاجات؟ ومن سيكون هدفها المقبل؟

خاتمة:

وجهة لبنان ستُحددها الأيام المقبلة، والأدق قدرة أحزابه ونخبه وتنسيقيات حراكه على فهم الواقع بعمقه وشموليته، وقدرتها على التأقلم، فنحن أمام إزدحام أزمات وإستحقاقات، والمنطقة تشهد ترتيبات ما قبل التسويات الكبرى، وهذه المرحلة قد تقصر أو تطول، بحسب مسار التفاوض الإقليمي الدولي، الدائر على دفعات، وضمن أكثر من قناة، خصوصاً أن لا مظلات واقية، لا إقليمية ولا دولية، والشتاء على الأبواب، كل الأبواب!