“ضربة” ترامب لإيران: غموض خلّاق أم مجرد إرباك !؟

حبس الخليج والشرق الأوسط أنفاسه لساعات وبدا ليله كأنه دهر، وراهنت محافظ استثمارية على ضربة اميركية وشيكة لإيران فصبت رساميلها على النفط والذهب كملاذ آمن، ومارس الرئيس ترامب وإدارته من خلال تغطية إعلامية هوليوودية، سياسة التشويق على طريقة هيتشكوك وبأن الرد العسكري الاميركي على إسقاط طهران طائرة تجسس فائقة التطور وشيك وحتمي.

ومع إنبلاج فجر الخليج وقبل إنتصاف ليل واشنطن بدأت التسريبات عبر الصحافة الأميركية :

– الرئيس الأمريكي اتخذ قرارا بتوجيه ضربة عسكرية لإيران‬⁩ وتراجع في اللحظات الأخيرة‬⁩

– الضربة العسكرية كان من المقرر أن تستهدف رادارات وبطاريات صواريخ إيرانية

– الرئيس الأمريكي أوقف الضربة العسكرية لإيران‬⁩ بعد وصول السفن لأماكنها وانطلاق الطائرات

-من غير الواضح ما إذا كان قرار شن هجمات على ⁧‫إيران‬⁩ ما زال قائماً

أهم كلمات هي : “من غير الواضح”..ولعلها تختصر المشهد برمته، فهل تصرف الإدارة الاميركية يأتي بناء على توصيات جهات أمنية-عسكرية محترفة، هدفها زرع الشك في عقول الخصوم، والإستفادة القصوى من التهويل بالرد، بهدف محاولة تحصيل مكاسب تحت الضغط؟

أم أن إيران نجحت في توجيه صفعة لمسعى “الردع” الأميركي من خلال تحديد موقع طائرة فائقة القدرة على التخفي، واستهدافها بصاروخ ارض جو مازالت قدراته غامضة؟

والأهم : ماذا بعد ؟

مصادر متطابقة كشفت أن تردد الرئيس ترامب في توجيه ضربة عقابية، وسعيه للتخفيف من وطأة إسقاط الطائرة بالقول : لوكانت مأهولة لكان الوضع إختلف جذرياً، ورميه مسؤولية إطلاق الصاروخ على جنرال “غبي”، يأتي للأسباب التالية :

– قبل 15 شهر على الانتخابات الرئاسية يبدو الانزلاق الى وضعية متفجرة في منطقة بالغة التعقيد وتحوي كميات كبيرة من صادرات البترول العالمي، خطوة غير محسوبة النتائج على رئيس-مرشح تبدو حظوظه جيدة في استطلاعات الرأي حالياً

– عدم وجود ضمانات كافية من قبل دوائر الاستخبارات الاميركية من أن رداً موضعياً-مؤلماً لن يؤدي الى ردود فعل من قبل ايران وأذرعها، في جبهة طولها اكثر من 3000 كم، ما قد يفتح باب الفعل-ورد الفعل وتزداد فرص الصدام الشامل

– قناعة لدى ترامب وإدارته أن عامل الوقت هو ضد مصلحة “المتشددين” على رأس السلطة في إيران، فالعقوبات الخانقة تؤتي ثمارها، وهناك رهان على تفكك داخلي وإنقسامات ضمن دوائر السلطة في طهران، بسبب الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية، وبعضها ضاغط جداً. وهنا تذهب بعض التقديرات الاميركية، أن المناوشات الإيرانية المتكررة قد تهدف الى إستجرار ضربة أميركية، تؤدي الى شد العصب الداخلي حول النظام ، وتخفيف مفاعيل الحملات المتنامية مؤخراً والتي تركز على التباينات داخل إيران.

– إبقاء خيار الضربة مفتوحاً ومحاولة ترقب خطوات ايران المقبلة، لأن إسقاط الطائرة الاميركية ليس استهدافاً بحد ذاته، بل يأتي ضمن خطة إيرانية، بدأت قبل أكثر من شهر، وهي مرشحة للاستمرار، وربما التوسع، سعياً للتفلت من العقوبات ورفع السقف التفاوضي، والإيحاء لدول الخليج أن واشنطن غير جدية في ردعها المعلن لإيران.

‏كاتب الشؤون الامنية في واشنطن بوست ديفيد اغناثيوس إعتبر أن الولايات المتحدة تلعب لعبة تستغرق وقتا طويلاً عبر خنق ايران تدريجيا بالعقوبات وايران بحاجة الى لعب لعبة قصيرة قبل ان تكون القبضة الاميركية حول رقبتها قاتلة، فما هي خطوة طهران المقبلة؟ وأين؟

فهل يشجعها ما تعتبره تردد وإرباك عند ترامب، الى استهدافات نوعية مقبلة ؟ وإختبار جديد للخطوط الحمراء المفترضة ؟ ما هي حقيقة الدور الروسي او الصيني في هذا الكباش؟ وكيف قد يؤثر تردد ترامب إيرانيا ً على كباشه المستجد مع بكين، وله أوجه متعددة ومعقدة؟ وماذا عن أجندة اسرائيل وأولويات نتنياهو مع تهديد طهران بعزمها زيادة التخصيب؟

مستشار الأمن القومي الاميركي جون بولتون سيطير الى تل ابيب في غضون ساعات، ليبحث مع نظيره الاسرائيلي الملفات الحساسة، تحضيراً للقمة الأمنية غير المسبوقة التي ستجمعهما مع نظيرهما الروسي خلال أيام. فعلى ماذا قد تتفق واشنطن وموسكو برعاية اسرائيلية؟ وكيف ستواكب طهران هذا اللقاء؟

إدارة الطيران المدني الاميركي أوقفت الرحلات المدنية في مناطق محددة فوق مضيق وهرمز وإيران، وألغت رحلات الى الهند لانها تعبر الأجواء الإيرانية ، وهذه خطوة تظهر أن الخيار العسكري وارد في أي لحظة .

مما لاشك فيه أن التصعيد هو سيد الموقف، وقدرة “العقل الاميركي” على فهم وترقب خطوات واهداف العقل الإيراني، مسألة مفصلية، فالهدف النهائي للطرفين هو التفاهم، والخلاف هو على الأحجام والأوزان، والتفاوض يتم عبر الألغام والصواريخ، إضافة الى اكثر من قناة، ولعل “الغموض الخلاق” هو احد أهم الأسلحة التي سيستخدمها الأميركي، اقله في الأمد القصير، إنتظاراً للنقلة الفارسية الآتية.

جبهة اميركية-إيرانية مفتوحة طولها 3000 كم

تعرضت المصالح الاميركية في العراق للاستهداف اليوم أيضاً فقد أعلنت الشرطة العراقية إن صاروخا سقط قرب مقرات عدة شركات نفط عالمية كبرى بينها شركة إكسون موبيل الأميركية العملاقة في مدينة البصرة بجنوب البلاد في وقت مبكر اليوم الأربعاء، مما أدى إلى إصابة اثنين من العمال العراقيين.

  

رويترز نقلت عن شهود عيان أن المجمع النفطي استهدف بثلاث صواريخ اصاب احدها مقرات السكن والعمليات في البرجسية غربي البصرة.

وذكر مصدر أمني لرويترز أن إكسون تعد لإجلاء نحو 20 من موظفيها الأجانب على الفور.

وقال مسؤولون في مجال النفط إن من الشركات الأخرى التي تعمل في الموقع رويال داتش شل وإيني الإيطالية.

ومنذ بداية التوتر الاميركي الايراني، تم استهداف اميركا في ⁧‫#العراق‬⁩:
‏- دفعتين قرب السفارة في المنطقة الخضراء ⁧‫بغداد‬⁩
‏- قاعدة التاجي 85 كم شمال بغداد
‏- قاعدة بلد الجوية 40 كم شمال بغداد
‏-القصر الرئاسي في قاعدة التاجي
‏- اكسون موبيل في ⁧‫البصرة‬⁩ اليوم

خارطة العمليات

استهداف البصرة اليوم يأتي ضمن خطة إيرانية بدأت قبل أسابيع، هدفها مناوشة واشنطن، والسعودية، من خلال عمليات محدودة، تتركز على قطاع البترول بالدرجة الأولى، نظراً لحيويته وحساسية الإقتصاد العالمي تجاه اي تعطل في إمداداته، وأملاً برفع أسعاره، في مسعى لتعويض طهران تناقص صادراتها بفعل العقوبات الاميركية .

وكانت عمليات استهداف قطاع البترول بدأت بالغام ضربت ناقلات في خليج عمان الشهر المنصرم، واستتبعت باستهداف لعدد من مقرات أرامكو في السعودية وخط انابيب شرق-غرب، واستهداف ناقلتي نفط عملاقتين قبل أيام في خليج عمان أيضاً، ولكن بنوع اكبر من الألغام عن استهداف مايو / أيار .

وتم مؤخراً آطلاق صواريخ متوسطة المدى على جبل الشيخ والجولان المحتلين من قبل اسرائيل، وإسقاط طائرة استطلاع اميركية فوق اليمن الشهر المنصرم، واستهداف أخرى قبيل عملية الناقلات الخميس المنصرم.

كما استهدف صاروخ مجنح مبنى الوصول في مطار أبها السعودي، وسجلت مجموعة استهدافات لمطار جيزان وأبها تم التصدي لها.

حسابات واشنطن

السؤال اليوم : كيف ستقرأ واشنطن استهداف مصالحها البترولية في العراق؟ وما هي صحة التسريبات عن دراسة البيت الأبيض إمكانية شن ضربة استباقية ضد هدف او مجموعة أهداف إيرانية؟

إصابة مقر اكسون موبيل في البصرة أتى بعد ساعات قليلة على إفتتاح الرئيس دونالد ترامب رسمياً حملته الرئاسية لأنتخابات 2020, ويبدو أن الأزمة مع ايران ستشكل مادة دسمة في السباق على البيت الأبيض، فمن جهة يبدو ترامب مصراً على عدم الانزلاق الى حرب واسعة، لأن لذلك محاذير عدة وتأثيرات على الناخب الاميركي، الذي سبق وتعهد له بإعادة الجنود الاميركيين الى اهاليهم، ومن جهة ثانية قد تتعرض صورته ، وهي بدأت بالفعل، للانتقاد، كونه وضع نفسه في مأزق، وهو يتلقى الضربات، وإن وصفها بالخفيفة، كما أعلن للتايم أمس في خلال تعليقه على استهداف الناقلات قبل أيام .

تغييرات مهمة في المناصب الحساسة

من الواضح أن ترامب غير راضٍ على اداء وزير دفاعه بالإنابة السابق شاناهان، لذلك عمد الى تغييره، وأوكل إدارة الأزمة الإيرانية الى جنرال سابق، شارك في حرب الخليج الأولى، وهو مارك إسبر، وزير الجيش الحالي، والمُلم بثنايا البنتاغون وتوازناته.

وفي الموازاة باشر مستشار الأمن القومي جون بولتون ، الذي يعتبر من اكثر المؤيدين ل “تأديب” ايران داخل الإدارة، باشر بحملة تغييرات في فريقه، بهدف تعزيز الصقور المتشددين، ك تيم موريسون المتشدد في الملف النووي مع روسيا تحديداً، على حساب فيونا هيل التي أدارت العلاقات مع موسكو منذ عامين ونصف، كما سيتم استبدال الادميرال دوغ فيرز بالادميرال بيتر براون في منصب المستشار للأمن الوطني ومكافحة الإرهاب، اضافة الى تغييرات أخرى .

 

حركة الملاحة عبر مضيق هرمز

افادت مواقع متخصصة أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تبدو “طبيعية” ، وذلك رغم تنامي التوتر وحدوث عمليات استهداف لناقلات نفط قبل نحو اسبوع، وخلال الشهر المنصرم .

التوتر في المنطقة : اميركا تُرسل المزيد من القوات وطهران تلوح بالتخصيب


أعلنت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” الاثنين إرسال ألف جندي أميركي إضافي إلى الشرق الأوسط وسط تنامي التوتر مع إيران، وذلك ترامناً مع إعلان طهران عزمها المباشرة بتخصيب اليورانيوم فوق الحد الذي التزمت فيه بموجب التفاهم النووي بدءاً من ال ٢٧ من اشهر الجاري

استهداف قاعدة اميركية .

وفِي العراق أفيد بسقوط 3 صواريخ كاتيوشا على معسكر التاجي شمال بغداد، الذي تتواجد فيه قوات أميركية.

وقال مصدر عسكري لوكالة “رويترز” إن القصف لم يسفر عن سقوط إصابات. وأضاف أن صفارات الإنذار دوت في القسم الأميركي من القاعدة خلال الواقعة.

نشر القوات الاميركية

وفِي تصريح مواكب لتعزيز القوات الاميركية في المنطقة اوضح وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان، إن هذه الخطوة ترمي إلى “ضمان أمن وسلامة عسكريينا المنتشرين في المنطقة وحماية مصالحنا القومية”.مشدداً على أن “الولايات المتحدة لا تسعى للدخول في نزاع مع إيران”.

وفي التفاصيل قال مصدر في البنتاغون لقناة الحرة الاميركية إن القيادة الوسطى الاميركية أوصت البيت الابيض بإرسال 5 آلاف جندي، إلا أنه تمت الموافقة على ألف فقط.

وأشار المصدر ل”الحرة” إلى أن القوات المرسلة “برمائية” وستتوزع على السفن وقواعد في المنطقة.

وفسر المصدر تواجد القوات الأميركية في الخليج بمثابة “قوة ردع” وليست “قوة حرب” لضرب إيران، موكدا أنه لا مانع من إرسال مزيد من القوات فيما لو دعت الحاجة.

وختم قائلاً :لا سقف بشري للقوات الأميركية” في الخليج لمواجهة إيران.

وكان مسؤولان أميركيان قد كشفا لوكالة أنباء “رويترز” إن الولايات المتحدة تستعد لإرسال قوات إضافية إلى الشرق الأوسط.

وأضافا أن هذا الإجراء يأتي ردا على مخاوف متزايدة بشأن إيران التي تتهمها واشنطن بالمسؤولية عن هجمات على ناقلتي نفط الأسبوع المنصرم.

أدلة جديدة

وفي وقتٍ سابق نشر البنتاغون صور جديدة عالية الجودة قال إنها تظهر عناصر الحرس الثوري الإيراني وهم يزيلون لغما لم ينفجر من على إحدى ناقلتي النفط اللتين تعرضتا لهجوم في خليج عُمان، الخميس المنصرم، وكانت البحرية الأمريكية نشرت، الجمعة الماضية، مقطع فيديو قالت أيضا إنه يُظهر عناصر الحرس الثوري خلال إزالة اللغم.

رد عسكري يتحضر ؟

‏صحيفة “معاريف” العبرية نقلت عن مسؤولين دبلوماسيين في الأمم المتحدة بنيويورك قولهم إن البيت الأبيض يشهد منذ أيام مناقشات مكثفة بمشاركة قادة عسكريين رفيعي المستوى والبنتاغون ومستشاري ⁧ترامب⁩ حول “تنفيذ هجوم تكتيكي” على إيران. وتتمثل بتنفيذ غارة جوية ضد منشأة ببرنامج ⁧إيران⁩ النووي،ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي غربي قوله “القصف سيكون قوياً لكن محدود الهدف”

هآرتز: رغم التهديدات بالحرب.. إسرائيل ولبنان يصنعان بهدوء : المعجزة

صنعت إسرائيل ولبنان هذا الشهر علامة فارقة في علاقاتهما يمكن أن تساعد في منع حرب جديدة في الشمال.

بعد ما يقرب من عقد من الجهود الأمريكية ، أقنع المبعوث الأمريكي ديفيد ساترفيلد البلدين باستخدام منتدى ثلاثي ، مع الولايات المتحدة ،لترسيم الحدود البحرية بينهما.

المساعي الأميركية تم تقديمها كمدخل يسمح للبنانيين بالبدء في استكشاف الغاز الطبيعي في البحر المتوسط. وتأمل بيروت في تطوير اقتصادها في مجال الطاقة كما فعلت إسرائيل قبل بضع سنوات.

من المقرر أن تبدأ المحادثات في نهاية هذا الشهر في قاعدة اليونيفيل في الناقورة شمال الحدود الإسرائيلية، وستتركز في الأساس حول حقل الغاز الحدودي بين البلدين. لم يتم تحديد موعد المناقشة لتشمل الحدود البرية .

يبدو أن رغبة بيروت في إجراء محادثات مباشرة حول الحدود البحرية بعد سنوات من الرفض، تعتمد إلى حد كبير على الإعتبارات الاقتصادية.

وقد فرض استيعاب مئات الآلاف من اللاجئين السوريين عبئاً هائلاً على لبنان ، قد يساهم في تخفيفه إكتشاف واستثمار الغاز الطبيعي.

هذه المحادثات ما كانت لتحدث بدون ضوء أخضر من حزب الله ، وهو ما أعطاه وفقًا للمخابرات الإسرائيلية

للأسباب التالية:

انخفض الدعم المالي الإيراني لحزب الله من مليار دولار سنويًا إلى حوالي 600 مليون دولار بسبب العقوبات الأمريكية. كما أطلقت المنظمة مؤخرًا حملة للتمويل الجماعي ، عبر لوحات إعلانية ، بهدف التغلب على أزمة ميزانيتها. حزب الله ، باعتباره شريكًا رئيسيًا في البرلمان اللبناني ، يأمل في الحصول على حصته من صفقة الغاز المستقبلية.

إن قرار إجراء محادثات ترسيم الحدود البحرية يتناقض بشكل حاد مع الخطاب العام لكل من الجيش الإسرائيلي وحزب الله ، وهو يرتكز على تبادل التهديدات. في خطاب ألقاه في بداية هذا الشهر ، قال زعيم حزب الله حسن نصر الله إنه إذا اندلعت حرب بين الولايات المتحدة وإيران ، فستشعل النار في المنطقة بأسرها ، وستدفع إسرائيل الثمن.

أقيم هذا الأسبوع الحفل التذكاري السنوي للجنود الإسرائيليين الذين ماتوا في حرب لبنان الثانية. في كلمته التي ألقاها في الحفل ، ذكر قائد القيادة الشمالية الجديد ، أمير بارام ، “التحريض والصراخ” في تصريحات نصر الله الأخيرة – “كل ذلك ، أنا أقول لكم ، كنتيجة لضغوط هائلة”.

قبل ذلك بأيام قليلة ، قال رئيس المخابرات العسكرية تامير هايمان في خطاب ألقاه في معرض للأسلحة في تل أبيب: “لا نحتاج إلى نصر الله ليخبرنا ما هو وضع مشروع صواريخ [حزب الله] الدقيقة.

أيزنكوت والشمال

تُعد الخطب والمقالات الصحافية التي سبقت حرب لبنان الثالثة، جزءًا من الحرب النفسية بين الجانبين. الردع المتبادل يعمل بشكل جيد جدا. لقد مر الآن نحو 13 عامًا منذ الحرب الأخيرة ، التي شهدت العديد من الخسائر على كلا الجانبين مما ساعد على تأجيل اندلاع الصراع القادم.

لقد فاجأت حرب عام 2006 حزب الله ، الذي لم يكن يتوقع أن ترد إسرائيل بشكل مكثف على اختطاف الجندي إيهود جولدفاسر وإلداد ريجيف. لقد فاجأ إيران أيضًا ، حيث لم يتم تنسيق الاختطاف مقدمًا. على افتراض أنه سيتم اتخاذ قرار مستقبلي لبدء حرب ضد طهران ، أكثر من حزب الله في بيروت ، يبدو أن الهدوء المستمر يعكس أيضًا جدول الأعمال الإيراني.

بعد الحرب وحتى عام 2012 ، تم بناء مخزون حزب الله الضخم من الصواريخ بشكل أساسي ليكون بمثابة ضربة إيرانية ثانية إذا ما قامت إسرائيل بضربة أولى على المواقع النووية. عندما انحسر الخطر على مواقعها النووية ، ركزت طهران على إنقاذ نظام الأسد في سوريا. تم إرسال حوالي ثلث جيش حزب الله الدائم بموجب أوامر إيرانية إلى الحرب الأهلية السورية ، حيث تكبدت المنظمة خسائر فادحة ، حوالي 2000 قتيل. في مثل هذه الظروف ، لم يكن لإيران وحزب الله مصلحة في نزاع عسكري مع إسرائيل.

تغيرت الأمور على مدى العام الماضي. عادت معظم قوات حزب الله بعد انتصار النظام السوري في الحرب الأهلية (التي ما زالت مستعرة ، بشكل محدود ، إلى حد كبير في منطقة إدلب في الشمال). ومع ذلك ، فإن المحادثات حول الحدود البحرية والإمكانات الهائلة للتنقيب عن الغاز هي اعتبار مهم في مواجهة جولة عسكرية أخرى قد يعاني فيها الاقتصاد اللبناني من أضرار جسيمة. لا يزال خطر الحرب موجودًا ولكن بشكل أساسي كتداعيات من جبهات أخرى، التوتر بين إيران والولايات المتحدة في الخليج ، وحملة إسرائيل ضد التمدد العسكري الإيراني في سوريا.

تذكر إسرائيل أيضًا في كثير من الأحيان الخطر في “المصانع الدقيقة” لصواريخ حزب الله في لبنان ، لكن اختيار القناة العامة – على سبيل المثال ، خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر – يدل على أن إسرائيل تفضل رفع التهديد عبر الضغط الدبلوماسي. كما ظهرت القضية أيضًا في الشهر الماضي في رسالة نقلها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ، الذي زار لبنان بعد اجتماعاته في إسرائيل.

آخر مرة تصاعد فيها التوتر مع لبنان كان في كانون الأول (ديسمبر) المنصرم ، بعد أن كشف الجيش الإسرائيلي ستة أنفاق تابعة لحزب الله تصل الى داخل إسرائيل. في نهاية أيار / مايو ، عرض الجيش امام وسائل الإعلام النفق السادس ، الذي تم حفره من قرية الرامية اللبنانية باتجاه زريت في الجليل الغربي. كان هذا أعمق نفق ، حوالي 80 متر. وأظهرت لقطات من الداخل أنه كان بمقدور حزب الله أن يستخدمه لإرسال مئات المقاتلين إلى إسرائيل في غضون ساعات قليلة.

قرار تدمير الأنفاق ، في عملية مفتوحة ، كان بالكامل بمبادرة من قائد الجيش السابق ، غادي أيزنكوت. ووزير الدفاع في ذلك الوقت ، أفيجدور ليبرمان ، حيث استمر الخلاف لعدة أشهر حول المشكلة التي كانت أكثر إلحاحًا – الأنفاق في الشمال أو الصراع المستمر مع حماس في قطاع غزة ، وتصاعدت في بعض الأحيان مع التظاهرات العنيفة على طول الحدود مع غزة رداً على اطلاق حماس الصواريخ. تم تصوير هذه الخطوة لصالح الشمال كقرار مشترك بين نتنياهو وآيزنكوت ، وتم تنفيذه بعد حوالي ثلاثة أسابيع من استقالة ليبرمان من الحكومة.

ولكن في الماضي ، يبدو أن أيزنكوت دفع نتنياهو إلى اتخاذ القرار. قدم أيزنكوت إلى مجلس الوزراء اقتراحه بالتعامل بسرعة مع أنفاق حزب الله على هامش مناقشة مختلفة ، وبدون تنسيق الاقتراح مع ليبرمان. نتنياهو سرعان ما إقتنع بخطوة أيزنكوت ، على ما يبدو بسبب التوتر مع ليبرمان وزميله الوزير نفتالي بينيت ، وخوفه من أن ينظر إليه على أنه سلبي للغاية على كلا الجبهتين.

التغيير العقائدي لحزب الله

أخبر ضابط كبير في القيادة الشمالية لصحيفة هآرتز أن العملية “حرمت حزب الله من العناصر المهمة في خططه الهجومية في المستقبل ، والتي كان من المفترض أن تفاجئ إسرائيل. لكنها لم تمنع المنظمة من التخطيط للهجوم.

عبّرت الأنفاق عن التغيير العقائدي لحزب الله في السنوات الأخيرة: وتمثلت بإدراك الحزب أنه خلال الحرب ، لا يحتاج إلى حصر نفسه في إطلاق الصواريخ على المناطق المدنية والدفاع ضد المناورة البرية للجيش الإسرائيلي. بدلا من ذلك ، يمكن أن يضرب عن طريق التوغلات المفاجئة. في التدريب على ذلك ، وحدات الرضوان ، قوة النخبة الهجومية لحزب الله، التي يبلغ عددها اليوم عدة آلاف من الجنود. اكتسبت هذه الوحدات خبرة في الحرب الأهلية السورية ويمكنها استخدام أنظمة الاستخبارات والطائرات بدون طيار والنيران الدقيقة.

على الرغم من أن ميزان القوى يبقى لمصلحة الجيش الإسرائيلي بشكل واضح ، إلا أن الافتراض هو أن حزب الله، في الحرب، سوف يسيطر، لعدة ساعات، أو أيام، على المناطق المدنية الإسرائيلية أو مواقع الجيش الإسرائيلي على طول الحدود. سيكون هذا النجاح إنجازًا كبيرًا في مخيلة الجمهور ، وستجد إسرائيل صعوبة في جعل الناس ينسونه ، حتى لو تسببت في تدمير جنوب لبنان لاحقًا.

من الواضح أن اهتمام حزب الله الجديد بالهجوم سيؤثر أيضًا على استعداد إسرائيل. إن نشر قوات الرضوان من شأنه أن يعرضهم لنيران دقيقة من القوات الجوية والبرية الإسرائيلية. وقد تم تحديث بعض خطط القيادة الشمالية وفقًا لذلك، وتعتمد على استجابة دفاعية سريعة ، بهدف إحداث أكبر خسائر ممكنة من قوة النخبة في حزب الله.

احتدم النقاش مؤخرًا في الجيش حول حالة القوات البرية. وركزت الانتقادات ، التي عبّر عنها هذا العام بقوة الجنرال (احتياط) يتسحاق بريك ، على مستويات اللياقة البدنية ، والمدى المحدود لمناورات التدريب (بشكل أساسي في الوحدات الاحتياطية) وجودة الاهتمام التقني واللوجستي بمركبات سلاح المدرعات. لكن على الجبهة الشمالية ، يتعامل الجيش الإسرائيلي أيضًا ممع عضلة عقائدية.

كما تم بناء ترسانة الصواريخ الضخمة ، بالتوازي مع النشر الدفاعي لحزب الله في جنوب لبنان ، للتغلب على الميزة الإسرائيلية وجعل الجيش يفقد أي شهية للنزاع البري. مع ذلك ، في كل التصريحات العلنية الصادرة عن كبار ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي ، كان هناك تأكيد على الحاجة للقتال على الأرض في عمق لبنان للفوز في الحرب القادمة. لكن المناورة العميقة داخل لبنان لا تتم في خلال أيام قليلة . وكما أثبتت حرب لبنان الثانية (34 يومًا) وحرب غزة 2014 (50 يومًا) ، لم تتمكن إسرائيل من تقصير الحروب ، كما بشر ديفيد بن غوريون في الخمسينيات.

ستكون تكلفة مثل هذه الخطوة ، بما في ذلك تقديرات جيش الدفاع الإسرائيلي ، هي حياة مئات الجنود ، في حين أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية ستضرب بالصواريخ والقذائف على نطاق لم تشهده من قبل. ليس سراً أن أنظمة إسرائيل المضادة للصواريخ ، التي تعمل بشكل جيد مع تهديد الصواريخ من غزة ، لا تستطيع إحباط قوة حزب الله النارية بالكامل .

وعندما ينتهي القتال ، لا يوجد يقين من أن الرأي العام الإسرائيلي – أو في الدول المجاورة – سيشهدون فوزاً إسرائيلياً بالضربة القاضية. علاوة على ذلك ، من المستحيل تجاهل الزاوية الاقتصادية. الاقتصاد الإسرائيلي أكثر تقدماً من الاقتصاد اللبناني ، لكنه أكثر هشاشة. إن إطالة أمد الحرب ، والتي ستترتب عليها أضرار جسيمة للبنية التحتية المدنية ، يمكن أن تعيد الاقتصاد الإسرائيلي إلى الوراء لسنوات عديدة.

الرسالة الضمنية من هيئة الأركان العامة هي أن الجيش الإسرائيلي سيهزم حزب الله على الأراضي اللبنانية ، وسيكون على الإسرائيليين في الجبهة الداخلية أن يختبأوا حتى يتم إخبارهم بالنصر .

كتب المؤرخ البريطاني باسل ليدل هارت أن المقاتلين يجب أن يؤمنوا بقدرتهم على تنفيذ مهمتهم. لذلك ليس من اللافت للنظر على الإطلاق أن كبار الضباط يعتقدون أن الحل الذي لديهم هو الحل المناسب لتحقيق النصر.

نعم ، المحادثات حول الحدود البحرية هي أخبار سارة ، لكن الحرب القادمة قد تشهد تدميراً تاريخًياً تم التنبؤ به ، في إسرائيل وكذلك في لبنان.

زاد الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة من ”بنك أهدافة” بشكل كبير ضد حزب الله. يفترض أن المعركة ستنتهي بأضرار كبيرة لتلك الأهداف. من الصعب تحديد الهدف الاستراتيجي الذي تريد إسرائيل تحقيقه بصرف النظر عن الحصول على فترة إضافية من الهدوء في الشمال.

كما يبدو أن إسرائيل تعتبر حزب الله بنك اهداف كبير ، وليس منظمة عدو لها قيادة واعتبارات خاصة بها. في اليوم الخامس وحتى اليوم السابع للحرب ، بينما سحق سلاح الجو العدو ودمرت الدبابات شمالًا ، هل كان نصر الله يرفع العلم الأبيض؟

ستؤثر حالات عدم اليقين هذه أيضًا على خطط السنوات القادمة التي وضعها رئيس الأركان الجديد ، أفيف كوتشافي . هذا الأسبوع ، في مؤتمر لكبار ضباط الجيش الإسرائيلي ، أكد كوتشافي التزامه بتحديث القوات البرية. لكن من المتوقع تأجيل تنفيذ الخطة متعددة السنوات بسبب قرار نتنياهو بإجراء انتخابات أخرى ، وبعد ذلك ستظل هناك حاجة لسد الثغرة الكبيرة في الميزانية الوطنية.

في الخلفية ، مفهوم الأمن 2030 ، الذي قدمه نتنياهو إلى الجيش الإسرائيلي قبل الانتخابات الأخيرة. لا تزال خطة تفتقر للتفاصيل ، لكن من الواضح أن رئيس الوزراء ، الذي يشغل حاليًا منصب وزير الدفاع ، لا يضع أولويته على القوات البرية بل على صرف ميزانيات ضخمة للقوات الجوية وقدرات إطلاق النار بدقة والاستخبارات. والحرب الإلكترونية.

في هذه الفجوة ، بين خطط كوتشافي ورؤية نتنياهو ، تكمن بعض مشاكل الجيش الإسرائيلي في لبنان. في معركة برية ضد حزب الله ، والتي ستجري في منطقة مكتظة بالسكان ، تخشى إسرائيل من أنها لن تحقق الإنجاز الذي تريده بالسعر الممكن أن تدفعه.

دراسة حزب الله

في بداية الأسبوع الثاني من حرب لبنان الثانية ، انطلقت وحدة من قوات ”ماجلان النخبة“ للاستيلاء على جفعات شاكيد ، وهو موقع قديم لجيش الدفاع الإسرائيلي تم التخلي عنه بالانسحاب من جنوب لبنان في أيار / مايو 2000. ولم يتلق الجنود سوى معلومات عامة عن التحصينات التي لوحظت على التلال. لم يكن لديهم أي فكرة أن حزب الله قد بنى موقعًا ومخابئ تحت الأرض.

في المعركة هناك ، قُتل جنديان من الجيش الإسرائيلي، وخمسة من مقاتلي حزب الله. عند العودة إلى الوراء ، أصبح من الواضح أن المخابرات الإسرائيلية كانت لديها معلومات مفصلة عن قدرة حزب الله هناك ، بما في ذلك في شقيد. لكن رجال المخابرات خافوا من تسرب المعلومات – وكانت المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة موجودة في صناديق لم تفتح عندما بدأت الحرب.

بالنسبة للجيش الإسرائيلي ، كانت الحرب خيبة أمل كبيرة ، سلسلة طويلة من الصدمات الصغيرة التي علمت الدروس. يتعلق أحد هذه الدروس بإنشاء “قاعة الدراسة” في تكوين الجليل (القسم 91) منذ حوالي ست سنوات. وهي نوع من مدرسة للاستخبارات مهمتها تدريس حزب الله ، لجميع الضباط المعينين في أي وقت من الأوقات لقطاع لبنان ، أو الذين من المقرر إرسالهم إلى هناك خلال حالة الطوارئ. تم رفع العديد من قيود التصنيف ، بهدف تمكين الضباط من الحصول على أقصى قدر من المعلومات حول العدو.

أخبر ضابط المخابرات ، اللفتنانت كولونيل ي. هاآرتز ، أن “مدى المعلومات يعتمد على مهمة الضباط ورتبتهم. نحن نأخذ الذكاء الخام ونكيفه مع الاحتياجات ذات الصلة للقادة ، دون الكشف عن مصدره. بالنسبة لنا ، إنها عملية متعلقة بالنضج ، والتي تتيح المزيد من الانفتاح في نقل المعلومات. ”

يقول إن الخطر الآن يتعارض مع ما كان عليه في عام 2006: “علينا أن نتوخى الحذر من إغراقهم بمعلومات استخبارية كثيرة للغاية ؛ بدلاً من ذلك ، نعطي القادة المعلومات التي يحتاجونها. وقال : أنت تخبر القادة: هذه هي البنية التحتية للمعلومات ، وهذه هي الطريقة التي سنستخدمها في حالات الطوارئ ، وهذه هي نظم المعلومات الموجودة تحت تصرف المعنيين فقط في وقت الحرب “.

في كل عام ، تجمع قاعدة الدراسة، التي يرأسها رائد مخابرات مخضرم ، حوالي 280 اجتماعًا مع ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي. كل قائد لواء توجد وحدته ضمن الخطط التشغيلية للقيادة الشمالية يأتي إلى هناك مع ضباطه مرتين في السنة. يجيب الضباط أيضا على أسئلة الجنود حول حزب الله. في كل عام ، يتم إرسال حوالي 700 إجابة وتعهدت ”قاعة الدراسة“ بالإجابة على كل سؤال في غضون أيام قليلة – إذا كان الجندي مصرح له بتلقيها.

في الأشهر المقبلة ، من المقرر أن يطلق الجيش الإسرائيلي ، بالتعاون مع شركة مدنية ، محاكيًا يحاكي معركة مع حزب الله (هناك نظام مماثل يعمل بالفعل استعدادًا للقتال في غزة). يقول ضابط المخابرات: “لم يكن لدينا أي شيء مشابه لهذا النظام من قبل .

Amos Harel

سباق روسي-أميركي على لبنان مأزوم !

يقف لبنان مترقباً تنامي التوتر بين الولايات المتحدة والخليج من جهة وبين إيران وأذرعها، وعلى رأسها حزب الله من جهة ثانية، وسط أزمة مالية-إقتصادية ضاغطة، فمن جهة يساهم تشديد العقوبات على إيران ومنعها من إيجاد وسائل للتهرب منها، في إزدياد المراقبة الأميركية على القطاع المصرفي اللبناني، وحركة الرساميل التي يدرها لبنانيون في العالم، ومن جهة ثانية باشر الديبلوماسي الأميركي المخضرم في المنطقة دايفيد ساترفيلد بوساطة، ظاهرها ترسيم الحدود لفك أي إشتباك بحري ذو طابع بترولي، بين لبنان وإسرائيل، أما باطنها فيبدو أكثر عمقاً وتشعباً، يهدف بالدرجة الأولى إلى إحتفاظ واشنطن بالحضور والمبادرة فيما يتعلق بمجموعة ملفات تعتبر حيوية للبنان.

بوتين يدخل على الخط

مع تزايد الإحتقان السياسي والشعبي، لاسيما من جهة التيار الوطني الحر، الممسك بزمام قسم مهم من السلطة في لبنان، في ملف اللاجئين السوريين، يصل بيروت وفد روسي رفيع، يضم المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فرشينين، في زيارة تكتسب أهمية بارزة، لأن الوفد سيبحث مع المسؤولين اللبنانيين موضوع إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم في ظل المبادرة التي سبق لروسيا أن أعلنتها، ولم تتضح تفاصيلها بعد، ولذلك ستشمل زيارة الوفد الروسي، إلى جانب رؤساء الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي، لقاء مع قائد الجيش العماد جوزف عون، ومدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم.

ومن المرتقب أن يسلم الوفد الروسي المسؤلين اللبنانيين دعوة رسمية للمشاركة في جولة مفاوضات «استانا» لتي ستجري في تموز/يوليو المقبل، بعد ان ادركت موسكو أهمية إشراك عواصم الجوار السوري، في اعتبار انّ جولة «استانا» المقبلة ستضع اطاراً محدداً للبدء بإعادة النازحين السوريين الى المناطق الآمنة، وهنا تكمن اهمية حضور لبنان لطرح هواجسه حول طرق معالجة هذا الملف.

اللاجئون هم المدخل والبترول هو الهدف ؟

بالطبع سيستكشف الوفد الروسي آخر تطورات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، كون موسكو معنية مباشرة بقطاع البترول اللبناني، وهي تسعى كي تكون شريكاً لاسيما في وجهة أنابيب الغاز المقرر إستخراجه، وهدفها ضمه للمشاريع التي سبق وخططت لها، لابل بدأت بتنفيذها في سوريا، والعراق وبالتنسيق مع أنقرة. وقد عمَقت موسكو بالفعل العلاقات التجارية مع لبنان كجزء من جهودها لدحر النفوذ الأمريكي في المنطقة، حيث تضاعف حجم التجارة بين روسيا ولبنان من 423 مليون دولار في عام 2016 إلى 800 مليون دولار في عام 2018. وبرز قرار السلطات اللبنانية منح شركة “نوفاتيك” الروسية حصة 20 في المئة ضمن الكونسورثيوم الفرنسي الإيطالي، للتنقيب وإستخراج النفط والغاز من السواحل اللبنانية. كما وقعت شركة “روسنفت”الروسية اتفاقًامدته 20 عامًا لإدارة وتطوير مرفق تخزين النفط في طرابلس،شمال لبنان، والذي يقع على بعد 18 ميلًا فقط من الحدود السورية وعلى بعد 37 ميلًا من ميناء طرطوس السوري الخاضع لسيطرة روسيا، وهو موطئ قدم موسكو الوحيد على البحر المتوسط.

وفيما بقيت قيمة الصفقة سرية، لكن قرب المنشأة من سوريا جعلت واشنطن تتخوف من أن يسمح ذلك لموسكو من استخدامها لتوصيل الوقود بشكل سري لنظام الأسد، وهو نشاط سعت عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية إلى إحباطه.

مهمة ساترفيلد والتسابق مع موسكو

تم إرجاء زيارة ساترفيلد الى بيروت، ربما لعدة أيام، سبقها تسريبات في الصحافة الإسرائيلة أن تل أبيب رفضت ضم ملف الحدود البرية الى البحرية، كما أنها تركت السقف الزمني للترسم مفتوحاً في إشارة إلى تعقيدات أو إلى نية لرفع السقوف التفاوضية، خصوصاً وأن زيارة ساترفيلد الأخيرة إلى لبنان ترافقت مع تسريبات بشأن مصانع لصواريخ حزب الله الدقيقة في البقاع اللبناني، ما أستدعى رداً من أمين عام حزب الله ورد فيه : ”ساترفيلد قعود عاقل..“ في تأكيد الى حصر مهمته بالحدود. فيما يبدو أن الأميركي يراهن على فعالية العقوبات التي يفرضها على إيران، وحزب الله، وهو بالتالي يربط بين ترسيم الحدود، وهو الباب الآمن لبدء عمليات التنقيب والإستخراج اللبنانية، وبين صفقة أكبر تسعى من خلالها واشنطن لمراعاة حليفها الأول إسرائيل، تحت شعار ”تحييد“ أي سلاح نوعي قد يحصل عليه الحزب، أو نزع أي فتيل أو ذرائع قد تشعل نزاعاً مسلحاً .

أجوبة نهائية

لبنان الرسمي يترقب عودة ساترفيلد حاملاً إجابات ”إسرائيلية نهائية“ حول الأفكار اللبنانية وفي الوقت نفسه سيستمع للوفد الروسي الرفيع، ومبادرته بشأن إعادة اللاجئين، التي تبدو مصدر خلاف داخل السلطة، بين فريق متحمس لإعادتهم وفرق آخر يعتبر ذلك سابقاً لأوانه، وباب للتطبيع مع النظام السوري، ويفضل إنتظار التسوية السياسية.

إذن في المحصلة، الإئتلاف الحاكم في لبنان أمام إستحقاق جديد، يتمثل بتزاحم أميركي روسي، متعلق بقطاع البترول، وبالصراع في سوريا، وعليها، وتعتبر ورقة اللاجئين محورية في هذا الصراع، خصوصاً وأن طبول معركة إدلب تُقرع بقوة، وهي تضع تركيا أمام خيارات، يبدو أحلاها مُرّ.

وهنا رشحت معطيات أن واشنطن لم تبلور أي خطط جديدة بشأن سوريا بعد، خارج أولوياتها في الحفاظ على تواجد عسكري في التنف، ودير الزور، ودعم الأكراد شرقي الفرات، كونها تعتبر وجودها هناك تكملة لتواجدها في العراق. وبالتالي، ستستمر في سعيها لمنع روسيا من جني مكاسبها كاملة، وبالتالي وضع سقف عالٍ لأي تسوية، تحتاجها موسكو بإلحاح لجذب رساميل إعادة الإعمار. .

على السلطة اللبنانية إتخاذ قرارات، يبدو بعضها بحاجة إلى توافق، قد لا يتأمن له الغطاء الإقليمي-الدولي بسهولة، وبالتالي قد تتعرض التفاهمات الداخلية إلى مزيد من التفسخات، خصوصاً وأن الأزمات المالية والإقتصادية الحادة تضغط في أكثر من إتجاه.

التفاوض بالنار عند منابع النفط..

وتيرة التوتر بين ايران من جهة، وواشنطن ودول الخليج العربية، لاسيما الرياض وابوظبي، من جهة أخرى، تتصاعد في صورة تُنذر بإحتمالات، قد لا تكون في حسبان أي طرف بحد ذاته .

فالرئيس ترامب يسعى لاستعادة نفوذ بلاده ألذي تراجع في المنطقة مؤخرا ، من خلال سلوك سياسة العقوبات والتهديدات، كي يخضع طهران لتوازنات جديدة، ويفرض نفسه واساطيله لاعباً أساسياً ومنفرداً في مسرح ، بدأ يوازن في علاقاته بين الغرب والشرق .

وفيما كانت الأنظار متجهة الى زيارة رئيس الوزراء الياباني الى طهران، والمكلف رسمياً من ترامب، ألذي التقاه قبل اقل من أسبوعين، بنقل رسالة تحتوي شروط واشنطن الفعلية لتسوية الأزمة، أتى الرد الإيراني الرسمي، وعلى لسان المرشد ، تصعيدياً، بالتزامن مع إستهداف ناقلتي نفط عملاقتين، واشتعالهما، وهما محملتين بالنفط السعودي والإماراتي، وإحداهما تملكها اليابان، صاحبة المبادرة .

حسابات القيادة الإيرانية تستند على إستنتاجات مفادها:

–  الرئيس الاميركي دونالد ترامب يهدف الى الوصول الى تفاهم بشروط أفضل لبلاده من التفاهم الذي وقعه الرئيس السابق اوباما، كي يستخدمه بفاعلية ضد منافسه الديمقراطي في السباق على البيت الأبيض

– إرتفاع أسعار البترول، جراء زيادة التوتر قرب منابعه، من شأنه زيادة مداخيل طهران لمحاولة تعويض نقص كمية الصادرات البترولية حراء العقوبات، كما سيضغط على الاقتصاد الاميركي وبالتالي قد يحرم ترامب من ورقته الأقوى في الانتخابات الاميركية

–  دول الخليج العربية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، لا تسعيان للحرب، لأبل تعتبران اي صدام، مؤذٍ جداً للإقتصاد وثقة المستثمرين في بلدهما.

–  هامش المناورة أمامها واسع، رغم صعوبة العقوبات، وتداعياتها الداخلية، وهي توحي بأنها ليست مستعجلة للتخلص من العقوبات بأي ثمن، وباستطاعتها كسر صورة الردع التي تسعى واشنطن لفرضها، من خلال إمتلاكها الكثير من أوراق الضغط في الخليج وفي ساحات موازية بإمكانها إستخدامها عندما ترى ذلك مناسباً.

أما الحسابات الاميركية، في ظل إكتمال الصقور في فريق ترامب: بومبيو، شانهان، بولتون، شينكير، فتبدو مستندة على الاستنتاجات التالية:

– سياسة تشديد العقوبات، الى حد الخنق، هي الوسيلة الأنجع لدفع ايران على التنازل، في أكثر من ملف، وعلى أكثر من ساحة.

– لن تدخل ايران في اي مواجهة مباشرة ضد واشنطن، نظراً لثقتهم بتفوق القوة العسكرية والاستخبارية والتقنية الاميركية، والقادرة على تخضيع أي خصم، لا يمتلك أسلحة دمار شامل، وإيران بنظرهم ضمن هذا التقييم .

– تسعى واشنطن، من خلال “الاشتباك” الحالي، تحت عنوان الردع، لاستعادة غالبية الدور والمساحة التي خسرتها في المنطقة مقابل التمدد الروسي، والصيني، من خلال الإظهار لحلفائها، جديتها للتصدي لتمدد النفوذ الإيراني، وهي بذلك تسعى لجني الثمار الآنية، المتوسطة، والطويلة الأجل.

– تعزيز مصالح اسرائيل، حليفها الأساسي في المنطقة، من خلال السعي لطرح تسوية للصراع مع الفلسطينيين، او ما يعرف بصفقة القرن، وهو مسار بحد ذاته، حتى لو بدت حظوظه ضئيلة اليوم، لكنه يضع مسلمات وخطوط عريضة ، لأي تسوية قد تطرح مستقبلاً.

هناك لاعب أساسي في هذا الاشتباك، وهو الخليج متمثلاً بالتكامل السعودي الإماراتي، في غالبية الملفات الخارجية، وهذا اللاعب كان له الدور الأساسي في إقناع الرئيس ترامب، بتبني سياسات مغايره لسلفه اوباما، ويبدو هذا اللاعب جاهزاً لكافة الخيارات، مع ترجيحه عدم لجوء ايران الى التورط في مواجهة شاملة، وهنا كشفت مصادر عالية الإطلاع ل Thinkers4ME أن ما تقوم به طهران من عمليات تخريب متفرقة هو نتيجة الضغوط الهائلة التي تتعرض لها نتيجة العقوبات، وشددت المصادر أن تكرار إستهداف تجارة النفط العالمية، لن تؤدي إلّا الى زيادة عزلة ايران الدولية، خصوصاً أن الدول الأوروبية والصين ستضطر تحت وقع عمليات التخريب لهذا القطاع الحيوي، الى التشدد ضد الممارسات الإيرانية، وختمت المصادر أن إيران وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة تجد نفسها في وضعية تراجعية، وخياراتها تبدو محدودة، وأن لا مفرّ من الإذعان للشروط خصوصاً وأنها تفتقر الى الحلفاء الدوليين.

لن تبتلع واشنطن الكثير من عمليات الإستهداف، خصوصاً على حرية حركة البترول في المياه الدولية، وهي ستعمد بالدرجة الأولى الى تشديد عمليات حراسة الناقلات النفطية ومواكبتها، ما قد يستدعي حشد المزيد من الأساطيل، وقد تُحضر رداً موضعياً ومؤلماً في حال تكرار تلك الاستهدافات وتوسع رقعتها .

سلّم رئيس الوزراء الياباني دفتر الشروط الاميركي لطهران، ورفض المرشد تسلم رسالة ترامب لا يعني بالضرورة أن الرئيس روحاني لم يتسلمها ، وقد يحمل الوسيط الياباني رداً لا تشبه تفاصيله تصعيد المرشد او أعمدة الدخان المتصاعد من الناقلتين المشتعلتين، خصوصاً أن الاستهدافات التي تمت في خليج عمان، نُفذَّت بطريق خفيّة، وبواسطة عبوات ممغنطة يتم تفجيرها عن بُعد، وهنا يبدو تصميم طهران على عدم ترك بصمات او تبني تلك الهجمات، هو طريقة من طرق التفاوض، الذي يشهد رفعاً للسقوف، وعمليات تمويه ومناورة، لطالما إشتهر بها المفاوض الفارسي عبر التاريخ.

Thinkers4Me

سعد رفيق الحريري : زعامة في خطر؟!.. أم فوق الأخطار ؟!

“أن يختفي الوالد وهو في ال60 من عمره وعزّ نشاطه السياسي، ويتم شطب إبنه الأكبر بهاء من خلافته، هو آخر شيء كنت أتوقعه في حياتي..”: هذا ما عبّر عنه سعد الدين رفيق الحريري لأحد أصدقائه المقربين بعد نحو عامين من زلزال 14 شباط 2005 الذي قلب مسار لبنان، وأيضاً مسار حياة ومسؤوليات إبن ال 35 عاماً حينها، فالحدث جلل وتداعياته متسارعة ومتلاحقة، فقد أُلبس عباءة والده الملطخة بدمائه التي فرضت عليه إتجاهاً واحداً في الاتهام والتعبئة، والمطالبة بالحقيقة!

بعد إسقاط وزارة الرئيس عمر كرامي في 28 شباط/فبراير 2005 بفعل الصدمة والضغوط عقب جريمة إغتيال أهم زعيم سني في تاريخ لبنان المعاصر، تم التفاهم على حكومة وسطية، تولى رئاستها النائب والوزير نجيب ميقاتي، مهمتها إجراء انتخابات نيابية، أدت الى وصول غالبية لقوى 14 آذار, بقيادة تيار المستقبل، وبفعل تفاهم رباعي، صاغه الوزير وليد جنبلاط حينها، ولأن الشيخ سعد كان في فترة إستيعاب الصدمة و “التدرّب” على إدارة مسؤوليات تيار المستقبل، تم التفاهم على تولي الوزير الأقرب الى الرئيس الشهيد رئاسة الوزراء، حيث بقي الرئيس فؤاد السنيورة في السراي، من صيف 2005 الى مابعد انتخابات 2009، التي فاز بها أيضاً تحالف 14 آذار، ليسلم المنصب لسعد رفيق الحريري، ويستعيد بذلك آل الحريري السراي، بعد 5 سنوات على خروجهم منها.

بهدوء ولكن بثبات، تمكن سعد الحريري من الإمساك بمفاصل الزعامة، بدءاً بالبيت الداخلي، وتشكيل فريق من المستشارين ، بعضهم عملوا عن كثب مع والده، وبعضهم إختارهم هو من عمره، أو أصغر قليلاً، كما أبعد عدداً من المستشارين الذين كانوا مقربين لوالده.

بين 2005 و2009، مرت الايام بطيئة على من ورث الزعامة، قبل أوانها، فحاول التأقلم مع متطلباتها رويداً رويداً، وكانت تصعقه إغتيالات مدوية، لصحافيين وسياسيين، من خطه السياسي، بعضهم قريب جداً لقلبه، فزودته بالعزيمة للإستمرار، وعدم الاستسلام أو الخوف، فكانت حياته أشبه بفيلم بوليسي، التدابير الأمنية تخنقه، ولكنها أولوية، وتأثر تواصله بشكل كبير مع الأصدقاء والشركاء، فلازم منزله لفترات طويلة، وأصبحت الدائرة الصغيرة المحيطة به هي عالمه بأكمله، او تكاد.

حرب تموز 2006 شكلت مفاجأة كبيرة له، خصوصاً أنه نقل تحذيرات غربية وفرنسية لحزب الله، وتلقى مقابلها ضمانات بأن موسم الصيف سيكون الأفضل منذ سنوات طويلة، وتأثرت جداً علاقته بحزب الله بالحرب:اسبابها، نتائجها، تداعياتها..شعر وكأنه خُدِع، ولكنه كان دوماً يحاول استنساخ والده، قائلا في وجدانه: لو كان مكاني ماذا كان قد فعل؟ حاول مراراً الشد على يد الرئيس سنيورة في وجه الضغوط، لكنه كان يحاول أيضاً فرملة مواقفه النارية، ومع مرور الوقت، بدأت علاقاته الوثيقة مع ركنيّ 14 آذار، رئيس الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، رئيس حزب القوات اللبنانية د.سمير جعجع، تتعرض لخضات وطلعات ونزلات.

علاقة الحريري-جنبلاط: بادر جنبلاط فور غياب الحريري الأب، ولعب دوراً محورياً في “ثورة الأرز” من خلال تنسيق متواصل مع البطريرك صفير، واتسمت علاقته بعائلة الحريري بالتنسيق الدائم، ونسج معه سعد الحريري مباشرة، ومن خلال المستشارين، غرفة عمليات مشتركة، نسقت كافة الخطوات على المستوى السياسي، ولكن العلاقة بدأت بالتعرض لتفسخات بعد منازلة 7 أيار 2008، ليعود جنبلاط ويعلن في صيف 2009 إنفصاله عن 14 آذار، فماذا في التفاصيل والحيثيات ؟

لعب جنبلاط، على عكس سعد الحريري، دوراً محورياً، في أزمة شبكة اتصالات الحزب، والكاميرات المزروعة على مدارج مطار بيروت الدولي، وكأنه أطلق الرصاصة السياسية الأولى في تلك المواجهة التي سرعان ما تحولت عسكرية، وانتهت الى إحتلال حزب الله وحلفائه كافة احياء بيروت السنية، وشهدت اشتباكات عنيفة شيعية – درزية على مدى ٣ أيام في اكثر من محور. وانتهت الى تسوية الدوحة، حيث بدا جنبلاط مستعجلاً اي حل، فيما كان سعد الحريري تحت وقع الصدمة، وخسارة بيروت السريعة، خصوصاً إنه كان على تواصل دائم مع الرياض ومع السفير السعودي الخوجة، وبديا متفاجئين من سرعة تطور الاشتباك السياسي، خصوصاً قرارات مجلس الوزراء القاضية بإزالة شبكة اتصالات حزب الله، وإقالة مدير جهاز أمن المطار رفيق شقير.

الحريري حمّل جنبلاط والسنيورة، جزئياً،مسؤولية التدهور، فيما تفاجأ جنبلاط ، لا بل صُعق من الانهيار السريع لتيار المستقبل، ومن تحييد القوات اللبنانية نفسها، وشعر كأنه اصبح مطوقاً بشكل تام، من الحزب الوافر العدة والعديد، ومن تيار درزي متشدد خارج عن سلطته، ظهر بسلاحه وتنظيمه في مناطق ديرقوبل ، بشامون، قبرشمون، الشويفات، وغيرها.. ومن هنا رأى من الضرورة الملحة محاولة نزع فتيل التفجير والتوتر مع حزب الله وازالة التشنجات، والعودة الى التطبيع والتنسيق خصوصاً على المستوى العملاني، والحقها بمحاولة مواكبة السين سين، وتطبيع العلاقة مع الرئيس السوري بشار الأسد عام 2010 وموقفه الشهير تحت عنوان :”لحظة التخلي”

الحريري-جعجع: عندما تولى سعد الحريري السلطة، كان جعجع ما يزال في السجن في وزارة الدفاع يقضي “محكوميته المؤبدة”، وبدأ تنسيقه غير المباشر مع القوات من خلال سمير فرنجية ، وفارس سعيد، ومن ثم مباشرة من خلال ستريدا جعجع، وإقتصرت حصة القوات في الترشيحات النيابية على 5 نواب، فيما إستطاع العماد عون حصد 21 مقعداً من خارج التحالف الرباعي، وفرض نفسه الزعيم المسيحي الأول دون منازع. تسوية إخراج جعجع من سجنه تركت لما بعد الانتخابات النيابية، وقد تمت وفق قانون عفو خاص صوت عليه البرلمان بالتزامن مع قانون عفو آخر يعفي عن إسلاميين اتهموا بالإرهاب في الضنيه ومجدل عنجر قبل 5 سنوات.

استعاد جعجع رويداً دوره السياسي، داخل القوات أولاً ، وقد واجه مجموعة إشكالات تنظيميه مع قدامى القوات، ومسؤولي بعض وسائل إعلام القوات، ومع شاشة LBC ، لم تنتهي فصوله حتى اليوم.وسعى لتوسيع انتشار القوات سياسياً وشعبياً، في مواجهة جماهيرية زعيم لم يشهدها تاريخ لبنان المعاصر هو العماد ميشال عون، وتركزت أهداف جعجع على خوض انتخابات برلمانية تعطي القوات حجمها الفعلي كما كان يصفه، ولابد من أن يتوسع على حساب مرشحي حلفائه، وبينهم المستقبل والاشتراكي، وهذا خلق مساحة خلافية مع الحريري ، لكنها كانت قابلة للاستيعاب، لو كانت العلاقات الشخصية بين الزعيمين ممتازة، ولكنها لم تكن كذلك، لأن الكيمياء المفقودة لم تعزز تقاطع المصالح والإحترام المتبادل، فالشخصيتين مختلفتين الى حدود التناقض، وهناك إختلاف كبير في النظرة للعمل السياسي، والحزبي. وبقيت العلاقة بين مد وجزر ، وتحالف على المستوى الوطني، دون أن تتحول الى تحالف استراتيجي مع خطة ومشروع، وساهمت عدة محطات سياسية داخلية في إظهار الاختلاف العميق في النظرة، لقانون الانتخاب مثلاً، وغيره من الملفات المهمة. شكلت بداية نهاية عهد ميشال سليمان القشة التي قصمت ظهر البعير، فجعجع اعتبر نفسه مرشحاً طبيعياً وجدياً ووحيداً لما كان يسمى قوى 14 آذار، فيما إعتبر الحريري أن التنسيق معه حول إدارة هذا الاستحقاق كان يُفترض ان يكون اولوية، وكانت تصل الى جعجع أنباء عن تفاهمات تبنى بين الحريري وعون ، ولم يكن وقعها جيد على قلبه. واتى تبني الحريري سليمان فرنجية مرشحاً رئاسياً، ليدفع جعجع الى خيار آخر، تمثل بدعم العماد عون للرئاسة، وبدا وكأن شهر العسل بين الطرفين انتهى الى دون رجعة، لا بل هناك كمية كبيرة من اللوم في قلب الحريري تجاه القوات، يقابلها شعور قواتي بالغبن وعدم الالتزام بالتحالفات، ويبدو أن النقطة الأكثر حساسية عند الحريري تمثلت بسعي جعجع ونجاحه في بناء علاقات ثقة مع الرياض أولاً، وعدد من الدول الخليجية ثانياً، خارج عباءة الحريري، الذي كان يُفضل، لا بل يسعى كي تمر اي علاقة بالرياض من خلاله او بالتنسيق معه، لانه كان يدرك ان نقطة قوة والده الأساسية هي في حصرية العلاقة مع الحكم في السعودية .

وهنا تستوقفنا البحصة التي حاول الحريري أن يبقها بعد انتهاء أزمته مع السعودية عام 2019

سعد الحريري بين 2005 و 2019، عاش النجاحات والإخفاقات، نُفي من رئاسة الوزراء والوطن لسنوات، وتعثرت أعماله وبالتالي علاقته بالرياض لفترة، ولكنه أدار ازماته وأنتج تسوية رئاسية أعادته الى السراي الحكومي، وأيقن منذ اللحظة الأولى أن ديمومة زعامته تبدأ أولاً وأخيراً في الإمساك بمفاصل الزعامة السنية من خلال تيار المستقبل الذي أطلقه والده، ولذلك مقتضيات عدة، تبدأ بالتفاهم ولو بحده الأدنى ضمن العائلة، والقدرة على تمويل تنظيم قام أساساً على مبدأ الخدمات المباشرة، والاستحواذ على حصة وازنة في الحكم تؤمن الروافد والإستمرارية.

كما أيقن أن العلاقة الممتازة مع الرياض هي الممر الإلزامي للحفاظ على الزعامة والدور له ولتياره، وهنا أيضاً يبدو أنه تمكن من عبور عثرات عدة، وتعاطى ببراغماتية وواقعية مع متغيرات عميقة في القيادة السعودية، بانياً على تاريخية وحميمية العلاقة، والقدرة من خلال علاقاته الخارجية، وقدراته التمثيلية داخل لبنان، للعبور بين المطبات باقل مقدار ممكن من الخسائر، ومن الواضح أنه مازال يحظى بغطاء السعودية.

غياب المنافس السني القوي صبّ لمصلحته، وهو عرف كيف يُحيّد خصومه من خارج تياره او منافسيه المحتملين داخله، ولعل إخراج نهاد المشنوق من الوزارة وقبله فؤاد السنيورة من البرلمان، والقدرة على اعادة استيعاب أشرف ريفي، وتسوية الأمر الواقع مع نجيب ميقاتي، وغيرها من الخطوات، أكدت أن الحريري على مشارف الخمسين، غيره منتصف الثلاثينات، فالرجل تعلّم من كيسه، كما يقول المثل اللبناني، وهو يعلم، دون أن يراهن، أن “مشروعية” زعامة رفيق الحريري المعمدة بالدم ، هي له، وله وحده.

حرص الحريري على إدارة العلاقة مع العهد الحالي شخصياً، من خلال التواصل الدائم والودّي مع الرئيس عون والوزير باسيل، ويضعها اولوية الأولويات وكيفية إدارة توازناتها، ومحاصصتها، وتحدياتها الداهمة، لإنتاج موازنة قابلة للتطبيق دون التسبب بالمزيد من الانهيار ، وقادرة على فتح باب بعض الديون الإضافية دون تكلفات هائلة. هذا استحقاق مفصلي يعيشه الحريري، فهو مصر على إنجاح التسوية وفق قاعدة : ليّن دون ان يُكسر، طريّ دون أن يُعصر.

وقد اجاد من خلال تلك القاعدة تمرير نصف العهد، وتشكيل حكومتين، وإجراء اول انتخابات برلمانية منذ 2009، مبتعداً عن المواقف السياسية الحادة الشعبوية التعبوية، فالرجل يكره المزايدات، وهو قليل الكلام حتى في مجالسه الخاصة، يُفضّل الاستماع، وتفرّس من يجالسه، ويقرأ بدقة وإمعان خلف الكلمات، خصوصاً المعسولة منها.

سعد الحريري 2019، قمة الواقعية، لا أحلام كبيرة، ولا وعود فضفاضة بالإصلاح، يعرف من أين تؤكل الكتف، وكيفية حماية كتفيه من أي محاولة قضم، تحول الى رجل سياسي تقليدي، ربما، ومن يجزم أن هذا الزمن لا يفترض كلاسيكية وهدوء، لتمرير المزايدات الطائفية والمذهبية والرؤوس الحامية، وما أكثرها .

خسر بعضاً من كتلته النيابية، طبعاً، لكن فاز بالمقابل بتسويات مع خصوم سابقين، كالرئيس عون والوزير باسيل والرئيس ميقاتي.

يعرف نقاط ضعفه جيداً، ولكن بعضها قد يكون تحول اليوم الى نقاط قوة، ويحاول كلما وُضِعَ أمام استحقاق القول: لو كان الوالد مكاني لقرر ذلك..وهو يعلم تماماً أن والده دخل الزعامة من باب المال والأعمال لا يحمل ثأراً ولا عداوات حادة والتفاهم السعودي-السوري حمى مشروعه حتى بداية الألفية الثانية ..فيما هو دخلها من باب النار والدم، والمتغيرات العميقة من ربيع عربي، الى حمامات دم في سوريا والعراق وغيرها من مناطق العرب، والتوتر السعودي-الإيراني على أشده..

يعلم الحريري تماماً أن الخطر اليوم ليس داهماً على زعامته، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً في إحتفاظه برئاسة الوزراء، التي هي عرضة للخطر، في حال حدوث :

إنهيار مالي في لبنان او تمادي التدهور الاقتصادي وتوسع رقعة الاحتجاجات.

سقوط التسوية الرئاسية بسبب عوامل إقليمية ضاغطة

الحريري على يقين تام أن زعامته تضعف شيئاً فشيئاً، لذلك هي حتماً ليست فوق الأخطار..المرتقبة وغير المرتقبة منها..وكي يسعى للحفاظ عليها لا مفرّ أمامه من إعادة هيكلة تياره و”شدشدة” دائرة المستشارين، والسعي الفعلي لإقرار إصلاحات في هيكلة القطاع العام، والعمل على دحضِ شبهات الهدر والتراخي في الوزارات المكرّسة لتياره، وأخيراً ضخ دماء جديدة بهدف مواكبة تطلعات الأجيال الصاعدة، وطموحاتها، التي هي وحدها كفيلة بتحديد مستقبله ومستقبل الوطن ..